إضاءات تدبریة

التَّوبَة.. بابُ أملٍ وَطريقُ إصلاحٍ (9) التوبة.. جبر للضعف ونهوض من سقوط

يرسم القرآن (وبخاصة في الآيات 13\24من سورة الشورى المباركة)، يرسم الخط المستقيم في الأمَّة بالأمر الناجز بمودة أولي القربى التي هي الحسنة الكبرى، لأن بمودتهم يتكرّس الخط القيادي السليم، ولأن القضية القيادية أهم قضية وأكثرها إثارة للخلاف اتهموا الرسول، صلى الله عليه وآله، بالافتراء على الوحي، وأدحض الله ـ تعالى ـ  فريتهم بأنه سبحانه لو شاء لختم على قلب الرسول، صلى الله عليه وآله، وأنه يمحو الباطل، ويحق الحق بكلماته.

ثم يبيِّن طائفة من أسماء الله ـ سبحانه وتعالى ـ وصفاته الحسنى، منها: أنه سبحانه يقبل التوبة عن عباده والعفو عن السيئات، لأن الانحراف عن الخط القيادي كثيرا ما يقع، فلولا قبول التوبة لهلك خلق كثير، ثم بيَّن السياق بأن الذين آمنوا يستجيبون لهذا الأمر، بينما الكفار الذين لا يستجيبون لهم عذاب شديد.

 {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}.(سورة الشورى، الآية: 25)، فمهما كان الإنسان حذرا فإنه لا يمكنه اتقاء السقطات، وهذا دليل على أن الإنسان ليس بإله، وأن الضعف طبيعة فيه، لذلك فإن الله سبحانه يقبل التوبة عن عباده، أوليس هو الخالق ويعلم تكوين الإنسان الجسمي والنفسي، وأنه ضعيف أمام أمواج الشهوات، وضغوط الحياة؟

هناك حقيقة أكدت عليها الروايات والاحاديث الشريفة، وهي ان الانسان الذي يتوب الى الله جل وعلا إن قبلت توبته، فإن قلبه سوف لا يحن الى الذنب مرة اخرى، وإن لم تُقبل فإنه يبقى في حالة حنين واشتياق الى اقتراف الذنب

ولكن المؤمنين هم الذين يستعيدون إيمانهم بسرعة، وينهضون من سقطتهم، بالتوبة إلى الله تعالى، لما يعرفونه من عظيم مغفرته، وواسع رحمته{وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} فإذا عادوا إليه استقبلهم بترحاب.  {وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ} فحينما تفعل سيئة بعد سيئة فإن السيئات تتراكم على ذهنك، ويكون لها آثار سلبية على واقعك، ولكن رحمة الله الواسعة تأتي لتطهر قلبك منها. {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} فأنت بين التوبة إلى ربك أو انتظار عقابه لأنه يعلم ما تفعل فلا تستطيع كتمانه.

{وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}.(سورة الشورى، الآية: 26). فماذا يستجيب لهم؟

 السياق يوحي بأن المؤمنين بولاية الله والمسلّمين لإمامة الحق يتعرضون لضغوط هائلة، فإذا انهاروا ثم تابوا قبل الله التوبة منهم، وعفا عن سيئاتهم، وإذا طلبوا من ربهم النصر انتصر لهم، وزادهم من فضله، وهذا أحد مصاديق الآية، إلا أن الآية تسع كل دعوات المؤمنين، وبالذات حين تكون لبعضهم البعض، وقد وردت رواية بذلك حيث فسرت الآية بالشفاعة في ما بين المؤمنين، ولا ريب أن دعاء المؤمنين لبعضهم نوع من الشفاعة، بل هو الشفاعة، فقد روي عن الإمام الصادق، عليه السلام، قال: “قال رسول الله، صلى الله عليه و آله وسلم، في قوله:{وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ} الشفاعة لمن وجبت له النار ممن أحسن اليهم في الدنيا “.(بحار الأنوار، ج٦٤ ص:49).

ويحفِّزنا هذا التفسير على المزيد من التعاون بين بعضنا البعض، لأن آثار التعاون تمتد من الدنيا حتى الآخرة، ولعل الواحد منا قد استحق النار بعمله إلا أن ربنا يغفر له بدعاء وشفاعة إخوانه، أما أولئك الذين لم يستجيبوا لدعوة الحق ونداء الله لهم بالتوبة اليه، فليس لا يستجيب الله دعاءهم فحسب، وإنما هم يعرضون أنفسهم أيضا لعقاب الله وعذابه الأليم{وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}.

قلبك.. دليل صدق التوبة او زيفها

يعد الندم على ارتكاب الذنوب، والعزم على تركها وعدم العودة اليها من اهم حقائق التوبة واركانها، فالندم كخطوة اولى في باب التوبة، تعد وسيلة مهمة واساسية للعودة الى رياض الايمان، فالكثير من الناس نراهم يدّعي بأنه تاب ولكن في حقيقته يعيش الازدواجية في شخصيته، ففي داخل قلبه يستشعر عدم اقتراف الذنب ويعيش طوال عمره في حالة التبرير والخداع الذاتي، وهـــؤلاء تنكشف الحقائــق لهم بعد فــوات الاوان، ثم يصـرخ احدهم : {رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ}.(سورة المؤمنون الآية: 100). ولكـن يأتيهـم الجواب: {كَلآَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُـونَ}.

كما تستدعي عملية التوبة من الفرد التائب العزم على عدم العودة اذ يترك الكثير من الناس المعاصي والاثام لفترات معينة او في بعض المناسبات الدينية، ولكن لم يتمكنوا ان يتخذوا “قرار” التوبة الحقيقية النصوحة، فسرعان ما تنقضي المدة او المناسبة حتى يعاودون على اقتراف المحارم والآثام. فإذا أردت ان تعرف ان توبتك مقبولة وحقيقية انظر الى ما بعد التوبة، هل ان الاعمال الخيرية والحسنة لديك ثقيلة ام خفيفة؟ هل ستجيب جميع جوارحك بما فيها قلبك بنشاط مع نداء ترك المحرمات وعمل الصالحات واداء الفرائض لتنهض مسرعا وبأقبال للقيام بها ؟

 ان اداء عمل الخير بسهولة وبخفة بعد التوبة هو دليل على اداء التوبة بكل شروطها والعكس هو صحيح ايضاً.

وهناك حقيقة أكدت عليها الروايات والاحاديث الشريفة، وهي ان الانسان الذي يتوب الى الله جل وعلا إن قبلت توبته، فإن قلبه سوف لا يحن الى الذنب مرة اخرى، وإن لم تُقبل فإنه يبقى في حالة حنين واشتياق الى اقتراف الذنب.

يعد الندم على ارتكاب الذنوب، والعزم على تركها وعدم العودة اليها من اهم حقائق التوبة واركانها، فالندم كخطوة اولى في باب التوبة، تعد وسيلة مهمة واساسية للعودة الى رياض الايمان

 إن علينا دائما أن نؤكد الميثاق مع الله ـ تبارك وتعالى ـ على ان لا نعود مرة اخرى الى الذنوب، ونستغفر خالقنا بقلوبنا كما نستغفره بألسنتنا، فما علينا في هذه الحالة إلاّ أن نراجع هذه القلوب؛ فإن كانت تريد العودة الى الذنوب، فهذا يعنيان توبتنا لم تقبل بعد، أما اذا اصبح القلب كارهاً للذنب، واذا ما استشعر الندم الحقيقي، فحينئذ ستكون مقبولة.

تحديد الذنوب

وعلينا نحن أن نحدد أولاً الذنوب التي ندمنا عليها ولقد كان الزهّاد والعبّاد قديماً عندما كانوا يحاسبون انفسهم، يبادرون الى تسجيل ذنوبهم، فوجد انه قد ارتكب سبعين ذنباً خلال سبعين عاماً وليس خلال يوم واحد، أما نحن فإننا اذا سجلنا ذنوبنا من الصباح حتى الليل فمن الممكن ان تبلغ ذنوبنا ذلك العدد خلال يوم واحد فلا بــأس – إذن – من ان نسجل الذنوب التي اقلعنا عنها، اما أن ندعي اننا منزهون عن الخطايا، ونزكي انفسنا، ونرى اننا طاهرون مطهرون، فإن هذا التصور يعد – بحد ذاته – أعظم الذنوب، فالعُجب، والغرور، وتنزيه النفس، كل ذلك هو من الكبائر.

وبناء على ذلك؛ فمما لاشك فيه اننا قد اقترفنا الذنوب، فلنعيّنها بالتحديد، ثم الندم عليها، والاستعاذة بالله العزيز من شر الشيطان الذي دفعنا الى ارتكابها، فنبادر الى تسجيلها، ولنعقد العزم من الآن على ان لانعود اليها، ولنحاسب انفسنا يومياً لنرى هل عدنا الى اقتراف ذنوبنا ام لا، وإلاّ فان من العبث ان نستغفر الله تبارك وتعالى من الذنوب ثم نرتكبها مرة اخرى، فمن يضمن انك بعد تلك الذنوب ستوفق الى التوبة؟ فهناك من الذنوب ما ينساها الانسان، فما من احد يستطيع ان يدعي انه يتذكّر كل ذنوبه.

عن المؤلف

إعداد: نعمان التميمي

اترك تعليقا