بأقلامکم

قانون الفصل السياسي.. للسجناء الجنائيين؟!

من الأقوال المأثورة: “المُلكُ يبقى مع الكفر، و لا يبقى مع الظلم”، و هو واضح المعنى و المفهوم. ففي العالم الذي يُطلق عليه “دار الكفر” هناك عدالة نسبية في القوانين و تنفيذها. اما في عالم “دار الإسلام” فكل شيء موجود، إلا عدالة الإسلام! من هنا، فما أسرع زوال و انهيار الأنظمة في عالمنا العربي و الإسلامي الظالم، و ما أرسخ الأنظمة و الدول في عالم الكفر “العادل”!

هذه المقدمة، قد تكون ضرورية لإيضاح المطلب (أي الموضوع في الاصطلاح الحوزوي) لغرابته، فقد نمى الى علمنا في “المحرّر السياسي” أن معارضاً عراقياً سابقاً عاد الى بلده بعد عقود، محاولاً الحصول على بعض حقوقه المسلوبة، و بالتحديد حق الراتب التقاعدي، بعد أن خدم بلاده سنوات كموظف، و خدم الإلزامية في جيشه الوطني سنوات أخرى، ثم هاجر من بلاده بعد إحساسه باقتراب سكين النظام البائد من رقبته، و في المهجر، كتب مئات الآلاف من الكلمات، في خدمة قضية شعبه و أهله و عقيدته، و لعل هذه الآلاف المؤلفة من الكلمات و المقالات و الجهود لكثير من المغتربين و المهاجرين و المهجّرين، هي التي قوّضت أساس النظام المنهار، فجاءت الضربة الأجنبية لتجهز على ما تبقّى من أنفاسه و قواه .

المهم، أن هذا المواطن فوجىء بعد مراجعة دوائر بلاده بقول أشد غرابة، و هو أن “قانون الفصل السياسي” انتهى، و هو مجرد قانون مرحلي تتيحه أو تفرضه الضرورات الانتخابية، فكلما أحس المرشحون بالحاجة الى أصوات، فتحوا الباب أمام هذا القانون، و عندما تنتهي الانتخابات، يغلقونه! ثم اقترحوا على المواطن، المفصول سياسياً من دائرته، و المحكوم غيابياً بالإعدام لتمسّكه بدينه (أو لما كان يسميه النظام المجرم السابق بالانتماء الى حزب الدعوة) بأن يتقدم بطلب تقاعد عادي، لكن عليه أن يسد شواغر السنوات التي غابها عن الوطن، بملايين يدفعها من جيبه!

هذا، في الوقت الذي نعرف و يعرفون، أنهم طبقوا قانون الفصل السياسي على من هبّ و دبّ، من المعارف و الأقارب و المحسوبين عليهم، و فيهم سجناء جنائيون (أي مجرمون مدانون) عدّوهم سياسيين مفصولين، بل و عدّوا الميت منهم شهيداً، يتقاضى ورثته حقوقا و رواتب و معاشات!

الطريف في الموضوع، أن موظفي التقاعد يتساءلون: أين كان هذا المواطن كل هذه السنين، التي أخذ فيها الجميع حقوقهم؟ سؤال قد يكون طبيعياً، إذا لم تُعرَف ظروف الإنسان المعنيّ، و لكن للمرة الأولى نسمع بأن قانوناً مهما مثل قانون الفصل السياسي، يتحدّد بمدة معينة.

الأمر هنا يشبه مثلاً قانون إصدار البطاقة الوطنية الموحدة، فيُصار وفق هذا المفهوم، الى القول لمن لم يلحق بمن قدموا طلباتهم لاستحصال البطاقة: أين كنت يا هذا؟ ليس لك الحق الآن في المطالبة بالبطاقة الموحدة بعد ان تقاتل الجميع عليها و تسلّموا بطاقاتهم!

او لعل الأمر يشبه من فاتته سيارة في گراج النهضة ببغداد مثلا، فيُقال له ان خط البصرة أو الكوت قد تم إلغاؤه، و عليك أن تنسى الذهاب الى مقصدك! و لا ننسى أنه حتى هذا المثال له ما ينقضه في عُرف الطبقة السياسية الحاكمة في بغداد و أبنائها و عوائلها، فقد أعاد ابن المجاهد الكبير و القائد النحرير؛ هادي العامري، طائرة خطوط الشرق الأوسط اللبنانية المحلّقة في الأجواء و المتجهة من بيروت الى بغداد قبل سنوات الى مطار بيروت، لفشله في اللحاق بها قبل انطلاقها، متذرّعاً بالصلاحيات الأسطورية للوالد المتواضع، الذي كان وزيرا للنقل حينها!

الحاكمون في بغداد على اختلاف أحزابهم و طوائفهم و حكوماتهم المتعاقبة ابتدعوا عشرات بل مئات الحيل لمنفعة عوائلهم و معارفهم و أقاربهم و أصدقائهم من المال العام السائب، كالدرجات الخاصة و المستشارين و الجوازات الدبلوماسية و إلخ. مما لا يعرف له العالم المتحضر معنىً، لكنهم “يُحرِنون” كما يحرن حمار عندما يصل الأمر الى أصحاب الحقوق. فكم من عائلة شهيد ابيضت عيونها قبل أن تحصل على شيء، و كم من مناضل أو مجاهد حقيقي لم يحصل الا على الفُتات عندما طالب بحقه، و كم من مغترب مات فقيراً، بينما تصل الرواتب و المعاشات الى كبار البعثيين و صغارهم في بيوتهم في دول الجوار و في العواصم الغربية، و هم يسبّون العراق و العراقيين بمناسبة و بدونها.

نرجو أن يذكّر من يقرأ هذه السطور الحاكمين في بغداد (الذين لا يقرأون عادةً إلا مايكتبه المتملقون في مدحهم) بأن المُلك لا يمكن أن يبقى مع الظلم و هضم الحقوق، و هذا ما أثبتته جميع تجارب التاريخ.

*المحرّر السياسي- قناة على التلغرام

عن المؤلف

المحرر السياسي

اترك تعليقا