الأخبار

الأهوار العراقية: من التراث العالمي إلى حافة الاندثار تحت وطأة الجفاف

الهدى – متابعات ..

تواجه الأهوار العراقية، المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، أزمة بيئية غير مسبوقة تهدد بانهيارها الكامل، وذلك بسبب الجفاف الشديد الذي أدى إلى انحسار المياه وموت الحياة فيها، ما يهدد بآلاف السكان بفقدان سبل عيشهم.

وفي ظل هذا المشهد المأساوي، تبدو السياسات المائية عاجزة أمام الانهيار المتسارع لهذا النظام البيئي الفريد.

خسائر فادحة تهدد الأمن الغذائي والاجتماعي

وتعد هذه الأزمة واحدة من أسوأ الأزمات البيئية التي تشهدها الأهوار منذ عقود، فقد أكدت لجنة الزراعة والمياه النيابية أن الجفاف الحاد أدى إلى فقدان ما لا يقل عن نصف الثروة السمكية في المنطقة، محذرة من دخول الأهوار مرحلة حرجة تهدد أمنها الغذائي والاجتماعي.

وقال النائب ثائر الجبوري، عضو اللجنة، إن “الأهوار في جنوب العراق، بكل امتداداتها، شهدت خلال المدة الماضية انخفاضًا حادًا في تدفق المياه وتراجعًا واضحًا في مناسيبها، إلى جانب تدهور نوعية المياه، ما تسبب بنفوق واسع في الثروة السمكية، بنسبة لا تقل عن 50%”.

وأضاف الجبوري أن “الوضع الراهن في الأهوار حرج للغاية ومثير للقلق، إذ سجلت أيضًا حالات نفوق للحيوانات، في ظل محدودية المياه وتردي جودة البيئة”، مشددًا على أن “هذا الواقع المأساوي يضع سكان تلك المناطق أمام أزمة معيشية متفاقمة”.

تراث عالمي في خطر وسبل عيش مهددة

وتمتد الأهوار العراقية على رقعة واسعة من محافظات ذي قار وميسان والبصرة، وتعد من المناطق البيئية النادرة عالميًا، حيث أدرجت في قائمة التراث العالمي عام 2016.

ويعتمد آلاف السكان فيها على الصيد وتربية الجاموس والزراعة، ما يجعل أي تغير مائي فيها ذا أثر مباشر على استقرارهم المعيشي.

وحسب الجبوري، فإن “الأهوار دخلت فعليًا مرحلة الخطر، ويمكن تصنيفها ضمن الدائرة الحمراء بيئيًا، نظرًا لتسارع مؤشرات التدهور، وتراجع مؤشرات الحياة، سواء على مستوى المياه أو الكائنات أو سبل العيش”.

وتظهر المؤشرات أن الأزمة تجاوزت الأبعاد البيئية لتتغلغل في عمق البنية الاقتصادية والمعيشية لسكان الأهوار. فنفوق الأسماك لا يعني فقط فقدان مورد غذائي رئيسي، بل يشكل أيضًا ضربة مباشرة للمصدر الرئيسي للدخل لعائلات تعيش على الصيد كمهنة متوارثة. كما يؤدي تراجع مناسيب المياه إلى تغير نمط الحياة الرعوية والزراعية، إذ لا يمكن للجاموس الاستمرار في بيئة طينية جافة، ولا للمحاصيل المحلية أن تنمو وسط ملوحة مرتفعة أو أراضٍ متشققة. وهذا كله ينذر بهجرة داخلية قسرية قد تعيد تشكيل التركيبة السكانية للمنطقة.

تحذيرات من ارتدادات أمنية ودعوات لتدخل عاجل

وحذر الجبوري من أن “استمرار هذا الوضع من دون تدخل حكومي فعال قد يقود إلى ارتدادات أكبر تمس الأمن الغذائي وسبل العيش لآلاف العوائل”، داعيًا إلى “وضع خطة إنقاذ طارئة تتفاعل مع معطيات الواقع القاسي، بما يضمن حمايتهم من تبعات الجفاف المستمرة”.

ودعا كذلك إلى تدخل حكومي سريع يتضمن، حفر قنوات إسعافية لتحسين التدفق المائي، وتوفير أعلاف مدعومة لمربي المواشي، ودعم مشاريع الاستزراع السمكي لتعويض الخسائر، وإطلاق حزم مالية طارئة لتعويض السكان المتضررين، فضلا عن التفاوض مع دول المنبع (تركيا وإيران) بشأن الحصص المائية.

أزمة مائية وطنية تتطلب حلولًا شاملة

وفي سياق متصل، حذرت وزارة الموارد المائية، اليوم الخميس، من تفاقم أزمة مائية غير مسبوقة تهدد الأمن المائي للبلاد، وسط انخفاض حاد في الإيرادات المائية وتراجع مخيف في مناسيب الخزانات الرئيسية.

وبحسب بيان الوزارة، يواجه العراق “أسوأ موجة جفاف منذ عام 1933، حيث بلغت الإيرادات المائية لحوض دجلة والفرات 27% فقط مقارنة بالعام الماضي، بينما انخفض الخزين المائي في السدود إلى 8% من طاقتها التخزينية الكلية”.

وأوضح البيان أن هذا التراجع الكبير في الموارد المائية يرجع إلى عاملين رئيسيين: قلة الإطلاقات المائية من دول المنبع، وتأثيرات التغير المناخي التي أدت إلى شح الأمطار.

وحذرت الوزارة من “تداعيات خطيرة لهذه الأزمة، خاصة على المحافظات الوسطى والجنوبية التي تعاني بالفعل من نقص حاد في المياه”، مشيرة إلى “تهديدات جدية تواجه النظام الإيكولوجي في الأهوار وبيئة شط العرب”.

ودعت الوزارة إلى “تحرك عاجل على مستويين: دوليًا عبر التفاوض مع دول المنبع لزيادة الإطلاقات المائية، ومحليًا عبر ترشيد الاستهلاك في القطاعات الزراعية والصناعية والبلدية”.

يرى مراقبون أن تكرار مشاهد الجفاف في الأهوار يطرح تساؤلات جوهرية عن مدى فاعلية السياسات المائية في العراق، وضرورة التعامل مع الأهوار بوصفها عقدة حيوية ترتبط بالهوية والثقافة والاقتصاد والأمن المجتمعي.

ومع استمرار موجات الجفاف وغياب حلول استراتيجية طويلة الأمد، تبدو الحاجة ملحة لرؤية وطنية شاملة تنقذ ما تبقى من هذا الإرث الطبيعي، قبل أن يتحول إلى مجرد ذاكرة مائية منقرضة.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا