ثقافة رسالية

عقولٌ معطّلة!

هل سمعت يوماً أن عقول بني آدام توقفت عن العمل؟ بالتأكيد كلا، فمن أين جئت بهذا السؤال الغريب؟

من واقع الحياة، إذ بالفعل بدأت العقول تتوقف عن العمل تدريجياً، فمن الحالات الغريبة الشائعة في المجتمع: سير الناس وراء “الترند”، فقد اصبح الانسان يقلّد في حياته العامة الترندات، فترى ملابسه تتغير تبعاً لما يرتدونه، وهكذا مأكله ومشربه وبقية الامور الاخرى.

ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل تجاوزه، حتى أن بعض الترندات تُبذّر فيها نِعم الله سبحانه، ومقصدي: أن تصرفات الإنسان أصبحت رهينة للترند، فأين التعاليم الإلهية من سلوكيات بني آدم؟

أذكر في فترة تأزم العدوان الصهيوني على غزة، انشغل الناس بتصوير أنفسهم وهم يتذوقون “بسكويت مغطى بكريمة الفستق الحلبي أو (البستاشيو)”، فقتل الأطفال، وتشريد النساء، وتجويع العوائل كل هذه لم تشغلهم عن الترند، وأعتقد أن هذه الحالة ركزت عليها الأنظمة العالمية لمصالحها الإستعمارية والتي منها التالي:

  • تقطيع المجتمع

تخيل أن قسماً من المجتمع يهتم بتطبيق “الترند”، والبعض الآخر ينظر لمصالحه الشخصية، والثالث لا يتحمل مسؤوليته، فمثل هذا المجتمع لن يتقدم، لأنه كما يقال: (اليد الواحدة لا تصفق).

والنظام العالمي الذي همّه قتل المعارضين، وتشريد الضعفاء، يحب أن يرى المجتمع مشتتاً، حتى يسيطروا عليهم، كما يسيطر اللاعب على الكرة.

فعلى سبيل المثال: إن ضربة إسرائيل غايتها إسقاط النظام الإيراني، والسبب وراء ذلك أن دولة الكيان لا تريد مجتمعاً أطفاله ينادون: الموت لأمريكا الموت لإسرائيل فمثل هذا الخطاب يثير فزعهم حتى في كوابيسهم.

  • إلغاء التفكير

أغلب السائرين وراء هذه التفاهات “الترندات” هم غير المتعلّمين، أو الذين لا يملكون ثقافة حقيقة، وإلا كيف تتغير ثقافة الفرد لمجرد انتشار الترند؟

فمثل هؤلاء تحبهم الدول الفاسدة، لأنهم الهواء الذي يتنفسه الظالمون، وأكثر من ذلك أدواتهم المفضلة لتحقيق مآربهم، ولولاهم لما رأينا الحضارات التافهة.

وذلك يعني: أن دول الشر تخشى المفكرين، ولو كان بيدها لسلبت الناس عقولهم، لكي يتبعوهم دون رؤية سليمة، ولا يعارضونهم ولو بكلمة، وكمثال: في زمان طاغية العراق، تعرض المفكرون للقتل، والتشريد، والتعذيب، ولا خطيئة لهم سوى أنهم مفكرون.

الدِين وتنمية التفكير

بينما التعاليم الإلهية تحث الإنسان على التفكير، وقد جاء في السور القرآنية تكرار لجملة: {أَفَلا يَعْقِلُونَ}، وأبرز العاقلين: الحر بن يزيد الرياحي، الذي لم يأبه أن يصبح وحيداً في درب الحق، فقد كان قومه في جبهة الباطل، لكنه تفكَّر في عاقبة أمره، وقضى نحبه شهيداً سعيداً.

وقد سئُل أحد العلماء عن كيف يكون: “تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة” كما يقول الحديث؟ فأجاب: كتفكر الحر يوم العاشر، فلقد فكّر ساعة، وفاز بالنعيم الدائم.

فلذلك على الإنسان أن يفتح عقله، ويتخلص من رهبة السير وحيداً، والفرد بطبيعته يحب السير مع الآخرين، ولكن الآخرين في أكثر الأحيان يضلون الطريق.

لذا فإن سالكي طريق الحق قلة، وهم كندرة الذهب في التراب، فلا “تَسْتَوْحِشُوا فِي‏ طَرِيقِ‏ الْهُدَى‏ لِقِلَّة أَهْلِه” كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام)، فعلى هذا الدرب سار أولياء الله سبحانه.

طريق الخلاص

وهنا تجدر الإشارة إلى طريق التخلص من تأثير: “إتباع الترند” والطرق كثيرة ولكن أهمها:

  • التعلم

العلم خارطة نحو الرقي، يبعد الإنسان من الزلل، وينير له الدروب المظلمة، والفرد بدون علم، كالتائه في الصحراء، لا يدري أين طريقٍ يسلك.

وقد قيل: (احذر الحليم إذا غضب)، ويقال السبب: “أن الحليم صبر كثيراً” وليس هذا المراد، وإنما الحليم يغضب لأنه يعلم لماذا يغضب، ولأي شيء يغضب، فردة فعل الحليم ليست غوغائية، وإنما ذو غاية تقبع ورائها أفكاره السليمة.

كذلك الإنسان المتعلم، فما دام يعلم لماذا يؤدي هذا الدور، لن ينتظر أن يخبره أحدهم بأهميته، ولن تتحكم به المجاميع التي تخيب أكثر مما تصيب.

فمن هنا، يمثّل اهتمام الفرد بالمعرفة جزءاً لا ينفصل عن حياته، وكما يهتم الإنسان بصحة جسده، لابدَّ أن ينشغل بتحصين عقله من الأفكار التي يتلقاها، حتى لا يصاب عقله بعضال يصعب شفائه. 

  • حدّد قيمك وثقافتك

تعرف الثقافة بأنها: (شيء من كل شيء)، ولكن يوجد تعبير أدق منه، وهو: (أنها سلوكيات الفرد، بمعنى آخر هي هوية الإنسان).

فما دامت الثقافة كذلك، فهي إذاً طريق لفهم قيم الإنسان، فلو رأيتَ أنساناً يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فأعلم بأنه يتبع قيمة الإصلاح، وبالعكس لو اعتبر أحدهم الاعتداء ثقافة له، فأعلم بأنه يقدس الظلم.

فإذاً حينما تضع قيمك وفق للمنهج السليم، لن تشغلك المجاميع أياً كان تأثيرها، فلذلك: (اختر منظومة قيمك بعناية، فإن الروح كالجسد؛ بحاجة إلى وطن) كما تقول المقولة.

عن المؤلف

سجاد أحمد كاظم

اترك تعليقا