إضاءات تدبریة

التَّوبَة.. بابُ أملٍ وَطريقُ إصلاحٍ (8) قَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ(توازن الرجاء والخوف)

في بداية سورة غافر المباركة (والتي تسمى ايضا بسورة المؤمن) تعرّفنا الآيات بربنا من خلال ذكر بعض اسمائه وصفاته، وهذا ينفعنا في تحديد علاقتنا به تعالى.

يقول سبحانه:{غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ}.(سورة غافر، الآية: 3).

 وأوَّل أسماء الله ـ سبحانه ـ  المذكورة هنا أنه غافر الذنب، ومن يغفر الذنوب إلا الله تعالى، وأي رحمة واسعة تلك التي تغسل جريمة المعصية، وأي قدرة تستطيع محو الآثار العديدة للمعاصي على النفس والواقع غير رحمة الله وقدرته عزّ وجلّ.

 وتضفي أسماءُ الله السكينةَ على القلب، فهو {غَافِرِ الذَّنبِ} و{وَقَابِلِ التَّوْبِ}، ولولا هذه السكينة لتصدّعت قلوب المؤمنين عند استماعهم لاسم {شَدِيدِ الْعِقَابِ}، ثم هو{ذِي الطَّوْلِ} أي الإنعام الذي تطول مدته.

فالمؤمن حقا يعيش متوازنا مباركا، يحثه الرجاء على التوبة والعمل الصالح، ويمنعه الخوف عن المعصية، والخوف من عذاب الله كما رجاء رحمته ليس قضية نفسية وحسب، إنما يعنيان العمل، فنحن يجب أن نتحرك عند الرجاء ولكن ليس في أي اتجاه، إنما في اتجاه مرضاة الله وباتباع هداه، لأن الحياة تشبه حقل الألغام والذي ينجو فيها هو الذي يمتلك خريطة واضحة لها يتبعها بدقة، أما حينما ينحرف الإنسان عن الحق فسوف يضل ويخسر ولن يجد من ينقذه أبدا، لأن الله وحده هو الإله المتصرّف الذي يحدّد مسيرةَ الإنسان ومصيره دون أن يكون أحد قادرا على التغيير والتبديل {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} فهو الذي يقرره كيف يشاء بإرادته.

الملائكة تدعو للتائبين

ولكي لا تهزِم الظروف الصعبة إرادة المؤمن، وبخاصة إذا كان يتحدى الطغاة وحده، أو يحافظ على إيمانه في سرية، ولكي يطّهر المؤمن بالتوبة من درن الشرك؛ أوحى ربنا بأن أعظمَ خلق الله الذين يحملون عرش القدرة الإلهية يستغفرون للذين آمنوا وتابوا إلى الله، ويدعون لهم بالمغفرة، وأن يقيهم عذاب جهنم، و يدخلهم جنات الخلود هم ومن صلح من آبائهم وذرياتهم، وأن يحفظهم من السيئات برحمته {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.(سورة غافر:7ــ9).

إنَّ الآيات القرآنية تتبع منهجا يتميز عن المناهج البشرية في أنه كالضوء ينتشر من نقطة مركزية واحدة هي التوحيد لتتسع سائر الحقول، ذلك أنّ عالَم الخلق والحق كما عالَم العلم والمعرفة مظهر وتجلٍ لأسماء الله الحسنى، وكل شيء فيه آية تدلنا إلى ربنا الحميد المجيد.

لو كان مجمل سلوك الإنسان صالحا فإن هفواته لا تضره إذ سرعان ما يتوب إلى الله منها فتستغفر الملائكة له منها، ولعلهم يسددون خطاه بأمر الله للعودة إلى نقائه وطهره، وقد يعصمونه بإذن الله من الذنوب الجديدة، و يثبتون قلبه

ولقد افتُتِحت سورة غافر المباركة  بذكر بعض صفات الله التي تتجلى في الخليقة، فاسم الله {الرحيم} في سورة الفاتحة الذي يتجلى في قبول الله للتوبة {وَقَابِلِ التَّوْبِ}في  سورة غافر،  لها انعكاس على خلق الله، ومن ثم على سلوك الإنسان، وعليه أن يتخذ منه منهجا لتقويم سلوكه، بل ينعكس هذا الاسم الكريم على الخليقة، إذ يحدثنا القرآن عن الملائكة الحافيَّن بعرش الله، فهم من جهة يتصلون بالله عبر علاقة التسبيح والإيمان، ويتصلون بالإنسان المؤمن عبر علاقة الحب والرحمة، وربنا إذ يشرح لنا جانبا من هذه العلاقة يبيِّن ذلك في صورة دعاء من قبل الملائكة للمؤمنين التائبين.

من علامات قبول التوبة

إنّ حَمَلة العرش ومن حوله خلق من خلق الله تعالى، وهم مشغولون بالتسبيح والتمجيد هذا عن علاقتهم بالله، أما عن علاقتهم بالإنسان فهي التي تكشف عن علاقة الطبيعة بالبشر، إذ الملائكة وسائط أمر الله وتنفيذ إرادته، فهم إذن يمثلون موقف الخلائق من الإنسان، وهو يرتبط بموقف الإنسان من الحق، فإذا كان البشر على فطرته وعلاقته الإيجابية مع ربه فهم معه وإلاّ فلا، فما على الإنسان حتى يفلح في الحياة إلا أن يتحرك باتجاه تسخير الطبيعة التي من أهم عوامل تسخيرها العبودية لله، وحينها سوف يجد كل شيء يقف معه مؤيدا، إذ الملائكة الموكلة من قبل الله بقوى الطبيعة المختلفة سوف يكونون معه.

ولو كان مجمل سلوك الإنسان صالحا فإن هفواته لا تضره إذ سرعان ما يتوب إلى الله منها فتستغفر الملائكة له منها، ولعلهم يسددون خطاه بأمر الله للعودة إلى نقائه وطهره، وقد يعصمونه بإذن الله من الذنوب الجديدة، و يثبتون قلبه، ويحفظونه من تسويلات النفس ووساوس الشيطان، ويبدو أن هذا من علامات قبول التوبة.

فعلاقة هولاء الملائكة بالمؤمنين هي الاستغفار لهم لكي يتوب الله عليهم ويوفقهم في الحياة، {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} وليس يغفرون، لأنهم ليسوا آلهة، إنما هم عباد مقربون عند الله، وكل ما يستطيعونه لخدمة المؤمنين هو طلب العفو من الله لهم عبر الدعاء، ومن آداب الدعاء:

أولاً: البدء بحمد الله وتسبيحه والثناء عليه، ثم طلب الحاجة، وهكذا فعل الملائكة إذ تراهم سبحوا الله بحمده ثم استغفروا للمؤمنين.

ثانيا: البدء بطلب العفو قبل سائر الطلبات حيث إن رحمة الله قريبة من التائبين، إذ الذنوب تمنع استجابة الدعاء، ونزول الرحمة، وهكذا فعل الملائكة {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ}.

والتوبة هي الشرط الأول لقبول الله عودة العبد إليه، أما الشرط الثاني فهو أن تكون التوبة صادقة يستقيم عليها العبد، فيتبع سبيل الله وحده دون أن يعود إلى سبيل الشيطان، وهذا ما يبصره ربنا الذي أحاط بكل شيء علما.

ولكي لا تهزِم الظروف الصعبة إرادة المؤمن، وبخاصة إذا كان يتحدى الطغاة وحده، أو يحافظ على إيمانه في سرية، ولكي يطّهر المؤمن بالتوبة من درن الشرك؛ أوحى ربنا بأن أعظمَ خلق الله الذين يحملون عرش القدرة الإلهية يستغفرون للذين آمنوا وتابوا إلى الله

{وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} وهذا أهم وأعظم ما يمكن للمؤمن الدعاء به لنفسه ولإخوانه، وهكذا عندما يتوب المؤمن إلى الله فإن الملائكة تكون معه، وبالتالي فإن ما في الحياة يدعو البشر إلى إصلاح نفسه والعودة إلى الطريق المستقيم.

تصوّر موقف النار والجنة يدعو للتوبة

في يوم القيامة حين ينشغل الجميع بأنفسهم، يتفرغ أصحاب الأعراف وهم أئمة المتقين لمحاسبة الناس واسترجاع ذكريات الماضي. وتُصوِّر الآية (48) من سورة الاعراف ذلك الموقف:{وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} أي ملامحهم التي تتأثر بالعذاب، وتمسخ عنهم الإنسانية إلى صور مفزعة {قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ}، أي ما الذي أفادتكم الجماعة التي اعتمدتم عليها وزعمتم أنها ستنفعكم في أوقات العسر والشدة، فأين هم الآن {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} أي أين ذلك الغرور الذي جعلكم تستكبرون به، أين القوة وأين الشباب وأين المال وأين الصحة؟ وبالتالي أين تلك الماديات الزائفة التي غرتكم، وجعلتكم تتطاولون على الحقيقة وتحسبون أنفسكم فوق الحق وأعلى من القيم؟! إننا إذ نتصور ذلك اليوم، وتلك الساعة التي يخاطب أصحاب الأعراف واحدا منا إذا كان مستكبرا- لا سمح الله- لنعود ونرتب أوراقنا من جديد، ونتساءل عما إذا كنا في ذلك اليوم غير قادرين على التوبة، أو على العودة إلى الحياة للتوبة، فما دمنا نملك فرصة الحياة إذا دعنا نتوب إلى ربنا، ونصلح أنفسنا ونتقرب إلى أصحاب الأعراف الذين مثلهم بيننا مثل الأنبياء بين أقوامهم، يعرفون ملامح المؤمنين وملامح الكفار، ويتضرعون إلى الله لإصلاح الناس بعد إصلاح أنفسهم، نتقرب إليهم ونستمع إلى نصائحهم التي تشبه نصائح الطبيب الذي يكشف المرض، ويعرف ملامح المريض لعل ذلك يؤثر في مصيرنا، ومرة أخرى أقول: دعنا نتصور ذلك الموقف الرهيب، فإن التصور أجنحة الحقيقة التي تجعلك تلامس الواقع المستقبلي، وترى الغيب البعيد.

عن المؤلف

إعداد: نعمان التميمي

اترك تعليقا