الأخبار

فاجعة الكوت تحيي ملف إهمال السلامة في العراق: حريق مروع يكشف غياب الرقابة وتراخي التطبيق

الهدى – متابعات ..

في مشهد يتكرر بمرارة، شهد العراق يومًا حزينًا جديدًا بفاجعة حريق مجمع “هايبر ماركت الكورنيش” التجاري وسط مدينة الكوت، مركز محافظة واسط، والذي أسفر عن مقتل 61 شخصًا وإصابة العشرات.

وهذه الكارثة، التي لا تزال تتكشف تبعاتها مع استمرار التعرف على هويات الضحايا، تعيد إلى الواجهة ملف الإهمال الممنهج وغياب أبسط معايير السلامة والأمان في البلاد، من عبّارة الموصل إلى حرائق المستشفيات السابقة.

الكارثة تتكشف: إهمال وتراخيص غائبة

وسارعت الحكومة العراقية إلى إعلان الحداد الرسمي لمدة ثلاثة أيام، وتوجه رئيس مجلس الوزراء المهندس محمد شياع السوداني فورًا إلى موقع الحادث، مؤكدًا أن مثل هذه الحوادث “تنسف كل الجهود التي تبذلها الأجهزة الحكومية نتيجة الإهمال وسوء التقدير”.

وشدد رئيس الوزارء، على وجود ضوابط معتمدة لمنح إجازات البناء، والتي يفترض أن تتم بعد دراسات وتخطيط دقيق.

من جانبه، حمّل محافظ واسط، محمد جميل المياحي، إدارة المركز التجاري المسؤولية الكاملة، موضحًا أن المبنى افتُتح دون تراخيص قانونية أو إجازات بناء واستثمار.

وأكد المياحي أن الكارثة كان من الممكن تفاديها لو تم تجهيز المبنى بأنظمة إنذار ووقاية من الحرائق، مشيرًا إلى أن لجنة تحقيقية باشرت أعمالها وستقدم نتائجها خلال أسبوع.

كما عقد مجلس محافظة واسط اجتماعًا عاجلاً، تم خلاله إعلان الحداد العام لمدة ثلاثة أيام في عموم المحافظة، والتصويت على اعتبار الضحايا شهداء.

وأوضح مدير صحة واسط الدكتور جبار الياسري أن فرق الإسعاف عالجت 25 مصابًا، بينما بلغت الحصيلة شبه النهائية 61 شهيدًا، بينهم 18 مجهولي الهوية ستخضع جثثهم للفحص والتعرف عليها من قبل الجهات المختصة.

واقع السلامة المهنية: تحديات وتفاوت في الالتزام

وتثير فاجعة الكوت تساؤلات جدية حول تطبيق معايير السلامة المهنية في العراق. فبينما تتحمل الإدارات مسؤولية كبيرة في توفير بيئة عمل آمنة، فإن التساهل في توفير وسائل الحماية البسيطة حوّل مواقع العمل إلى “حقول موت مفتوحة”.

وأكد المتحدث الرسمي باسم وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، حسن خوام، أن الوزارة تولي ملف الصحة والسلامة المهنية أهمية كبيرة من خلال المركز الوطني للصحة والسلامة المهنية.

وأشار خوام إلى أن الوزارة تتخذ إجراءات قانونية صارمة ضد المخالفين، تبدأ برفع تقرير تفتيشي وقد تصل إلى إغلاق المشروع أو إحالة المسؤولين إلى محكمة العمل. وكشف عن إغلاق مئات المشاريع المخالفة لاشتراطات السلامة.

وأظهرت بيانات الوزارة تفاوتًا واضحًا في الالتزام بمعايير السلامة بين القطاعين العام والخاص، حيث سجل القطاع الخاص 4072 إصابة في عام 2023، مقابل 336 إصابة فقط في القطاع العام.

كما لفت خوام إلى أن العديد من حوادث العمل، خاصة في المشاريع الصغيرة أو غير المسجلة رسميًا، لا يتم الإبلاغ عنها، مما يعيق التوثيق الدقيق.

من جانبه، أقر المهندس مشرق عبد الخالق فليح، مدير عام المركز الوطني للصحة والسلامة المهنية، بأن الواقع الوقائي في العراق “لا يزال يعاني”، رغم وجود تشريعات ملزمة كقانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015.

وأشار فليح إلى تحديات كبرى تعرقل تطبيق هذه المعايير، أبرزها غياب قانون موحد خاص بالصحة والسلامة المهنية يشمل جميع قطاعات العمل، وضعف التمويل، ونقص التوعية المجتمعية.

تحذيرات الدفاع المدني ودور النقابات العمالية

وفي سياق متصل، حذرت مديرية الدفاع المدني من تزايد حوادث الاختناق التي يتعرض لها العمال أثناء تنظيف وصيانة فتحات الصرف الصحي.

وشدد مدير إعلام المديرية، نؤاس صباح، على ضرورة التزام العمال بارتداء معدات الوقاية اللازمة، محذرًا من غاز الميثان الخانق الناتج عن تحلل المواد العضوية.

ويعمل الاتحاد العراقي لنقابات العمال، برئاسة وليد نعمة فارس، على إعادة صياغة العمل النقابي لحماية حقوق العمال، لا سيما في القطاع غير المنظم.

وأكد فارس أن النقابة تستقبل شكاوى العمال، وتوثق الانتهاكات، وتتدخل لضمان إنصافهم، ومتابعة حصول العامل أو ذويه على التعويضات والرعاية الطبية في حالات الإصابة أو الوفاة أثناء العمل.

ويواصل الاتحاد رفع مطالب تحسين إجراءات السلامة المهنية، وتفعيل مبادئ العمل الآمن، وتحميل أصحاب العمل مسؤولياتهم.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا