أسوة حسنة

الصحيفة السجادية دليلنا نحو حياة آمنة

نستغرب حقا لماذا يقنط الإنسان بمجرد أن تقع له ضائقة، أو تحاصره مشكلة، أو تطوّقه أزمة، فهذه الدنيا كما قال عنها أئمة أهل البيت وفي مقدمتهم الإمام علي عليه السلام “دار شقاء”، وهي بالفعل كذلك، لكن نحن كمؤمنين عندنا الحلول، ونؤمن بأئمتنا وهم، عليهم السلام، وسيلتنا للخلاص من المشكلات والأزمات وانجلاء السوء.

فكما نعرف توصَف الحياة بأنها ساحة عمل مفتوحة لجميع البشر، يتحركون فيها، ينشطون، يفكرون، يخططون، ومن ثم يعملون، كلٌ بحسب قدراته العقلية والعلمية والإيمانية، وهنا سوف يحدث ذلك التداخل في هذه الساحة العملية المتحركة الواسعة ونقصد بها (الحياة)، وكثير من هذا التداخل في حركة ونشاط الناس عبارة عن مصالح عملية أو سواها، لهذا يحدث نوعا من التصادم في المصالح بسبب طبيعة الإنسان في التفوق على الآخرين وحماية مصالحه.

لكن المهم في حركة العمل والتنافس هذه أن تقوم على العدالة والتنظيم الصحيح، فإذا آمن الجميع بالعدالة وبالقبول بضوابط تنظيم العمل والمصالح وفق منهج عادل، يحدث نوعا من التوازن في العلاقات بين الناس، ولكن عندما يحدث خروج على هذا التنظيم العادل يتعرض الإنسان إلى أزمات بعضها في غاية الصعوبة مما يدفعه إلى اللجوء نحو سبل الخلاص من هذه الأزمات، فيتوسل بشتى الحلول لكي يتخلص من المشكلة الكأداء التي تواجهه.

من الحلول العظيمة التي يسعى لها الإنسان المؤمن هو (الدعاء السابع من الصحيفة السجادية)، وهو دعاء موجود في الصحيفة السجادية للإمام السجاد عليه السلام، يساعد الإنسان المؤمن على مواجهة المشاكل والأزمات الكبيرة والمعقدة التي تعترض مسيرته في الحياة، (يوجه الإمام عليه السلام بدعائه هذا كل من آمن بالله، إلى حسن الظن به سبحانه، وبقدرته وعدم اليأس والقنوط من روحه (تعالى) ورحمته مهما اشتدت الأزمات وضاقت الحلقات.

ليس على الإنسان أن يستسلم لليأس، ويضيع في متاهة القنوط، فإذا استمسك بإيمانه القوي الشديد

ويأتي في نص هذا الدعاء الكريم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

“يَا مَنْ تُحَلُّ بِهِ عُقَدُ الْمَكَارِهِ، وَيَا مَنْ يُفْثَأُ بِهِ حَدُّ الشَّدَائِدِ، وَيَا مَنْ يُلْتَمَسُ مِنْهُ الْمَخْرَجُ إلَى رَوْحِ الْفَرَجِ، ذَلَّتْ لِقُدْرَتِـكَ الصِّعَابُ وَتَسَبَّبَتْ بِلُطْفِكَ الاسْبَابُ، وَجَرى بِقُدْرَتِكَ الْقَضَاءُ وَمَضَتْ عَلَى إرَادَتِكَ الاشْياءُ، فَهْيَ بِمَشِيَّتِكَ دُونَ قَوْلِكَ مُؤْتَمِرَةٌ، وَبِإرَادَتِكَ دُونَ نَهْيِكَ مُنْزَجِرَةٌ. أَنْتَ الْمَدْعُوُّ لِلْمُهِمَّاتِ، وَأَنْتَ الْمَفزَعُ فِي الْمُلِمَّاتِ، لاَيَنْدَفِعُ مِنْهَا إلاّ مَا دَفَعْتَ، وَلا يَنْكَشِفُ مِنْهَا إلاّ مَا كَشَفْتَ. وَقَدْ نَزَلَ بِي يا رَبِّ مَا قَدْ تَكَأدَنيَّ ثِقْلُهُ، وَأَلَمَّ بِي مَا قَدْ بَهَظَنِي حَمْلُهُ، وَبِقُدْرَتِكَ أَوْرَدْتَهُ عَلَيَّ وَبِسُلْطَانِكَ وَجَّهْتَهُ إليَّ. فَلاَ مُصْدِرَ لِمَا أوْرَدْتَ، وَلاَ صَارِفَ لِمَا وَجَّهْتَ، وَلاَ فَاتِحَ لِمَا أغْلَقْتَ، وَلاَ مُغْلِقَ لِمَا فَتَحْتَ، وَلاَ مُيَسِّرَ لِمَا عَسَّرْتَ، وَلاَ نَاصِرَ لِمَنْ خَذَلْتَ فَصَلَّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَافْتَحْ لِي يَا رَبِّ بَابَ الْفَرَجِ بِطَوْلِكَ، وَاكْسِرْ عَنِّيْ سُلْطَانَ الْهَمِّ بِحَوْلِكَ، وَأَنِلْيني حُسْنَ ألنَّظَرِ فِيمَا شَكَوْتُ، وَأذِقْنِي حَلاَوَةَ الضُّنْعِ فِيمَا سَاَلْتُ. وَهَبْ لي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَفَرَجاً هَنِيئاً وَاجْعَلْ لِي مِنْ عِنْدِكَ مَخْرَجاً وَحِيّاً. وَلا تَشْغَلْنِي بالاهْتِمَامِ عَنْ تَعَاهُدِ فُرُوضِكَ وَاسْتِعْمَالِ سُنَّتِكَ.

فَقَدْ ضِقْتُ لِمَا نَزَلَ بِي يَا رَبِّ ذَرْعاً، وَامْتَلاتُ بِحَمْلِ مَا حَـدَثَ عَلَيَّ هَمّاً، وَأنْتَ الْقَادِرُ عَلَى كَشْفِ مَامُنِيتُ بِهِ، وَدَفْعِ مَاوَقَعْتُ فِيهِ، فَافْعَلْ بِي ذلِـكَ وَإنْ لَمْ أَسْتَوْجِبْهُ مِنْكَ، يَا ذَا العَرْشِ ألْعَظِيمَ”.

ويُستَهَل الدعاء بقدرة الله ـ تعالى ـ على حل عقد المكاره، وهي المشاكل التي تتسبب بها مضاربات وصراعات الناس على مصالحهم بعيدا عن العدالة والعودة إلى الأحكام الشرعية والقانونية والعرفية في حماية الحقوق بشكل متبادَل، ومن ثم يتكفل الله ـ تعالى ـ بمقارعة الشدائد، كما أنه ـ تعالى ـ هو الذي يقود الإنسان من ضيق الحرج إلى واحة الفرَج، وهذه الانتقال من حالة الشر إلى حالة الخير لا تحصل إلا عندما يستجيب الله تعالى لدعاء الإنسان ويخلصه مما هو فيه من أزمة معقدة، لأن الله ـ تعالى ـ تذلّ له الصعاب وهو صانع المسببات والأسباب، ويجري بأمره القضاء وتستجيب لقدرته الأشياء.

لذا ليس على الإنسان أن يستسلم لليأس، ويضيع في متاهة القنوط، فإذا استمسك بإيمانه القوي الشديد، ولجأ إلى هذا الدعاء (السابع) من الصحيفة السجادية، وتضرع إلى الله ـ تعالى ـ ورفع يديه مستشفعا مؤمنا مردّدا هذا الدعاء بشفاعة الإمام السجاد، فإن الحلول سوف تكون بين يديه على نحو لا يعرف كيف يجري، فما أن يقرأ ويبدأ بالدعاء ويغوص في تفاصيله ويغيب في معانيه وتهجداته حتى يجد الفرج يلوح أمام ناظرية، والحلول تترى أما عينيه، ومثلما حاصرته العُقَد وطوّقته الشدائد، سوف تتفكك هذه العقد وتُحَلُّ هذه الشدائد بقوة هذا الدعاء الذي يلجأ له المؤمنون الصادقون، الذين ليس لهم سوى إيمانهم الحقيقي بالله وبأئمة أهل البيت، عليهم السلام، الذين يتوسل بهم شفعاء له يوم لا شفيع إلا لمن يستحق الشفاعة.

عن المؤلف

حسين علي حسين/ ماجستير إدارة أعمال

اترك تعليقا