الأخبار

أزمة المياه في العراق: جفاف تاريخي واستنزاف للموارد يهدد الوجود

الهدى – متابعات ..

يواجه العراق أزمة مياه هي “الأخطر في تاريخ البلاد”، وفقًا لوزير الموارد المائية، عون ذياب، في ظل تفاقم آثار التغيرات المناخية وتناقص الإطلاقات المائية من دول الجوار، خاصة تركيا وإيران.

وهذه الأزمة تُلقي بظلالها الكثيفة على نهري دجلة والفرات، العمود الفقري للحياة في العراق، وتهدد وجود ملايين الدونمات الزراعية ومصادر المياه لعشرات الملايين من السكان.

شح غير مسبوق وتداعيات كارثية

ولقد أصبح العراق رهينة لحجم الإطلاقات المائية التي تطلقها دول الجوار، في مشهد يهدد بشكل مباشر الحياة في البلاد.

وزير الموارد المائية وصف الوضع بأنه الأسوأ على الإطلاق، مشيرًا إلى أن اثنتي عشرة محافظة أُجبرت على الاعتماد كليًا على المياه الجوفية لتلبية احتياجاتها المتنوعة.

وهذا الاعتماد المفرط، إلى جانب الانتشار الواسع للآبار غير المرخصة وعدم الالتزام بالأسس العلمية لحفرها وتوزيعها، يهدد المخزون الجوفي نفسه بالاستنزاف.

الخبير المائي تحسين الموسوي، أكد أن العراق يتعرض لـموسم جفاف خانق للعام الخامس على التوالي، مما أدى إلى استنزاف الخزين المائي بشكل غير مسبوق، وهي موجة الجفاف الأعنف منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة.

وأشار إلى أن الفريق التفاوضي العراقي لم يحالفه التوفيق في زيادة الحصة المائية للبلاد. فالإيرادات المائية الواصلة إلى العراق، مقارنة بزيادة حجم السكان، أدت إلى قلة مخزون المياه وانخفاض جودتها، حتى أن المخزون المتبقي أصبح غالبًا خارج المواصفات العالمية، وفي كثير من الأحيان لا يصلح حتى للزراعة.

إطلاقات مائية غير كافية وحلول مؤقتة

ويعتمد العراق في تغذية أنهاره سنويًا على المياه القادمة من تركيا وإيران، خاصة في فصل الربيع، إضافة إلى الأمطار والثلوج. إلا أن الأعوام الأخيرة شهدت انخفاضًا كبيرًا وغير مسبوق في هذه الإيرادات، مما انعكس بوضوح في انحسار مساحة نهري دجلة والفرات داخل الأراضي العراقية.

الموسوي لفت إلى أن الإطلاقات الأخيرة من تركيا هي مؤقتة، حيث جرى الاتفاق على تلك الإطلاقات لشهرين فقط دون التوصل إلى اتفاق دائم.

وعلى الرغم من حاجة العراق الماسة لهذه الإطلاقات، إلا أن تحديدها بفترة قصيرة يثير تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء هذا القرار. المستشار السابق في لجنة الزراعة والمياه النيابية، عادل المختار، أكد أن مقدار الخزين المائي وصل إلى أقل من ثمانية مليارات متر مكعب، وأن الإيرادات ضعيفة جدًا بحيث لا يمكن الاعتماد عليها، محذرا من أن سد الموصل في وضع كارثي وأن الحلول ما زالت ضعيفة وتصل إلى مرحلة الخطر.

استنزاف المياه الجوفية وحلول مقترحة

وزارة الموارد المائية تواجه انتقادات بسبب استهلاكها للمياه الجوفية، حيث تُشير التقديرات إلى أن مقدار تلك المياه المستنزفة يقارب خمسة مليارات متر مكعب، مما أدى إلى جفاف بعض المسطحات المائية، ومن بينها بحيرة ساوة.

وفي محاولة لمواجهة الأزمة، أعلن العراق عن مشروع لإنشاء سدود الحصاد، وهي بوابات ونواظم تهدف إلى تجميع مياه الأمطار والسيول، خاصة من الناحية الشرقية للعراق، للحفاظ على التربة من التجريف وتغذية المياه الجوفية، مع إمكانية الاستفادة من الفائض في ري بعض المساحات الزراعية.

وأوضح الموسوي أن العراق يحتاج إلى ما يقارب أربعين سد حصاد، مما سيكون له تأثير إيجابي في حفظ المياه ولا يتطلب موازنات كبيرة نظرًا لحجمها الصغير.

ورغم وضع دراساتها منذ عامي ألفين وستة عشر، وتحديثها في ألفين وأربعة عشر، إلا أن العمل عليها لم ينطلق بعد، والعراق مضطر للجوء إلى تلك السدود لمعالجة جزء من الأزمة.

دعوات للتدويل وحلول استراتيجية

والوضع المائي في العراق يسير بسرعة جنونية نحو الآثار السلبية وزيادة نسبة التصحر. ولهذا، يرى الخبراء، ومنهم الموسوي، أن على بغداد التوجه إلى تدويل ملف المياه، لأن البلاد تتعرض لأضرار كبيرة ولها حقوق واضحة مع الدول التي تتشارك معها المصادر المائية. ويعتبر أن هناك تعسفًا في حجز المياه عن العراق من خلال إنشاء المشاريع الكبيرة على نهري دجلة والفرات في دول المنبع.

وشدد الخبراء على ضرورة وجود حلول آنية واستراتيجية لمعالجة أزمة المياه، وإلا فإن الحكومة الحالية والمقبلة ستواجه حرجًا كبيرًا في التعامل مع هذا الملف المصيري.

وأشار المختار إلى أن مشكلة العراق الأساسية تكمن في عدم وجود إيرادات مائية كافية، وأن السيول من دول الجوار قليلة خلال فصل الشتاء بسبب أزمة الجفاف.

وحذر من خطورة الوضع، نظرًا لتأثر مياه الشرب في بعض المحافظات، مثل البصرة، مع زيادة حجم التلوث في المياه وارتفاع درجات الحرارة.

وختم المختار حديثه بالقول إن الوضع المائي في نهر دجلة أصبح بحدود أقل من خمسة ونصف مليار متر مكعب، وأن الإطلاقات المائية من تركيا ما زالت ضعيفة تصل إلى مئتي متر مكعب بالثانية، معربًا عن أمله في أن تدعم سوريا العراق بزيادة عدد الإطلاقات.

ويضم العراق نهرين أساسيين هما دجلة والفرات. حيث ينبع الفرات من جبال طوروس في تركيا، ويمر بسوريا قبل دخوله الأراضي العراقية. أما نهر دجلة، فينبع أيضًا من جبال طوروس في تركيا، ويسير مسافة قصيرة في سوريا قبل أن يدخل العراق، وتصب فيه خمسة روافد رئيسية داخل الأراضي العراقية، والتي تشكل ثلثي مياهه، بينما يأتي الثلث الآخر من تركيا.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا