الهدى – بغداد ..
في بلد شهد حروباً متناسلة، تظل الألغام والمخلفات الحربية شاهداً حياً على جراح لم تندمل بعد، تلك الكتل الفتاكة المدفونة تحت الأرض مترقبة لحظة عابرة مخلفة وراءها الموت والإعاقة والخوف. وإن القضاء على هذا الملف الشائك يبعث الطمأنينة ويرسم آمالاً جديدة تنشد الحياة وتبتغي الأمان.
الحكومة العراقية تبذل جهوداً مضنية لتطهير أراضيها من هذا الخطر الداهم، فمواجهة هذه المعضلة ليست مجرد إزالة للمتفجرات بل هي تصفية للذكريات المدمرة وفتح صفحة جديدة من الأمل والتقدم.
ولكن لا يزال الطريق طويلاً ومليئاً بالتحديات والعقبات إذ تتطلب هذه المهمة إرادة وإصراراً فضلاً عن تخصيص أموال كافية لإنهائها بالكامل من أجل أن ينعم أبناء العراق بأرض آمنة ومستقبل أفضل.
ويقول الدكتور جمال العطا مستشار وزارة البيئة إن مشكلة الألغام والمقذوفات الحربية تعد من أخطر التحديات التي تواجه العراق اليوم لا سيما مع تأثيرها في الحياة اليومية والمشاريع الاستثمارية.
وهذه المشكلة لها جذور تمتد إلى سنوات الحرب العراقية الإيرانية واستمرت بالتفاقم عبر الحروب والصراعات اللاحقة. ووفقاً للعطا، فقد بدأت مشكلة الألغام خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات حيث زرعت حقول الألغام على طول الحدود بين العراق وإيران. وكانت تلك الفترة مليئة بالمعارك وانتشرت حقول الألغام بشكل واسع. ومع انتهاء الحرب تركت هذه الحقول أثراً بيئياً وإنسانياً كارثياً حيث أصبحت مساحات واسعة من البلاد ملوثة.
ويشير الدكتور إلى أن حرب الخليج الأولى أدت إلى نوع جديد من التلوث ألا وهو القنابل العنقودية التي تسببت في تلوث مناطق واسعة مثل السماوة والبصرة وذي قار.
وخلال هذه الفترة شهدنا زيادة كبيرة في حقول الألغام والقنابل العنقودية خاصة في المناطق التي دارت فيها معارك شرسة.
ويؤكد العطا أنه مع دخول القوات الأميركية وسقوط النظام السابق فقدنا جميع الخرائط التي كانت توضح مواقع حقول الألغام. وهذه الخرائط احترقت أو اندثرت ما جعل مهمة تحديد المناطق الملوثة أكثر تعقيداً.
وبعدها تم إنشاء دائرة شؤون الألغام في عام 2003 بقرار من الحاكم المدني بول بريمر وكانت تابعة في البداية لوزارة التخطيط قبل أن تنتقل إلى وزارة البيئة، لافتاً إلى أن أولى الجهود الوطنية لتحديد المناطق الملوثة بدأت من محافظة ذي قار حيث تم إجراء مسوحات غير تقنية استناداً إلى المعلومات المتوفرة. وبدعم من وزارتي الدفاع والداخلية بالإضافة إلى المنظمات المجتمعية تمكنت الدائرة من إتمام مسوحات ناجحة في مناطق أخرى مثل العمارة والبصرة والسماوة.
وفي إطار حديثه عن المناطق المحررة بعد دحر داعش شدد على أن التلوث في هذه المناطق كان خطيراً للغاية حيث خلفت العبوات الناسفة التي زرعها التنظيم تهديداً دائماً على حياة السكان.
وأضاف أن المناطق الجنوبية كانت أقل تلوثاً بالعبوات ولكنها ما زالت تعاني من وجود مخازن الأسلحة والميادين التي تعد مناطق خطرة.
كما بيّن العطا أن العراق عضو في ثلاث اتفاقيات دولية رئيسة تتعلق بالألغام والقنابل العنقودية والأسلحة التقليدية وهي اتفاقية أوتاوا واتفاقية أوسلو واتفاقية الأسلحة التقليدية.
وهذه الاتفاقيات توفر للعراق دعماً دولياً يساعد في جهود إزالة الألغام، مشيراً إلى أن قلة التخصيصات المالية تؤدي إلى تباطؤ في عمليات الإزالة، معبراً عن أمله في أن يتمكن العراق من التخلص من الألغام والمقذوفات بحلول عام 2028.
واستدرك قائلاً قد نحتاج إلى طلب تمديد إضافي لاتفاقية أوتاوا لمدة عشر سنوات أخرى لضمان استمرارية الدعم الدولي. مؤكداً أن نسبة المناطق الملوثة قد انخفضت بشكل كبير من 6000 كيلومتر مربع إلى حوالي 2100 كيلومتر مربع وأن الجهود مستمرة ونأمل أن نصل إلى عراق خالٍ من الألغام في المستقبل القريب.
مدير إعلام دائرة شؤون الألغام مصطفى حميد مجيد، تحدث عن الدور الإشرافي والرقابي للدائرة في إزالة الألغام والمخلفات الحربية. وأوضح أن الدائرة تشرف على أعمال التنفيذ التي تقوم بها الجهات الوطنية والمنظمات الدولية والمحلية وفق معايير محددة تمنح بموجبها تلك الجهات التفويض لتنفيذ الأعمال، مشيراً إلى أن دائرة شؤون الألغام تتابع الأنشطة التنفيذية في جميع المحافظات العراقية المتأثرة بمخاطر الألغام والمخلفات الحربية، ومبيناً أن أبرز التحديات التي تواجه الدائرة هي التحديات المالية والتأخير في إقرار الموازنة.
وفي ما يتعلق بأكثر المناطق تلوثاً أكد أن محافظة البصرة تتصدر القائمة عالمياً من حيث التلوث بالألغام والمخلفات الحربية نتيجة الحروب السابقة.
وبخصوص الإحصائيات ذكر أن الدائرة تمتلك إحصائية شاملة لضحايا الألغام والمخلفات الحربية حيث سجلت أكثر من 30 ألف ضحية منذ عام 2009 وحتى الآن. وختم حديثه مؤكداً أن الدائرة التي تأسست عام 2003 تعتبر السلطة الوطنية العليا لبرنامج شؤون الألغام في العراق وتعمل تحت مظلتها الجهات التنفيذية مثل وزارتي الدفاع والداخلية والحشد الشعبي إضافة إلى المنظمات الإنسانية والشركات التجارية المختصة.
كما أشار إلى أنه منذ تأسيس الدائرة تم تحديد أكثر من 6000 كيلومتر مربع من الأراضي الملوثة فيما تبقى حالياً أقل من 2000 كيلومتر مربع ما يمثل إنجازاً بنسبة حوالي 60% رغم التحديات المستمرة مثل الحرب ضد داعش والتعثر المالي.
بدوره أوضح نؤاس صباح، مدير إعلام مديرية الدفاع المدني دور وزارة الداخلية والمديرية في التعامل مع المخلفات الحربية والمقذوفات غير المنفلقة، قائلاً إن مديرية الدفاع المدني من خلال قسم معالجة القنابل غير المنفلقة والمتساقطات الجوية تعمل على إزالة المخلفات الحربية والمتساقطات الجوية خصوصاً في المناطق الحدودية التي شهدت عمليات عسكرية سابقة.
وأضاف أن هذه الجهود تتم بالتنسيق مع وزارة البيئة ودائرة شؤون الألغام حيث يتم جمع المخلفات في أماكن آمنة وتسليمها إلى الهندسة العسكرية لإتلافها وفقاً للسياقات المعتمدة.
وفي ما يتعلق بوجود قانون خاص بتنظيم إزالة المخلفات الحربية أشار صباح إلى أن القسم يعمل وفقاً لقانون الدفاع المدني رقم 44 لسنة 2013 الذي يحدد كيفية التعامل مع القنابل غير المنفلقة والمخلفات الحربية.
وعن رأيه في دور وزارة الداخلية ومديرية الدفاع المدني في التصدي لهذا الملف قال هذا الملف تابع بشكل رئيس لوزارة البيئة بالتنسيق مع مديرية الدفاع المدني ووزارة الدفاع حيث تعمل جميع الجهات المعنية على الحد من خطورته.
وأوضح أن الدفاع المدني يصدر نشرة سنوية تتضمن إعداد المساحات التي تم مسحها ميدانياً ورفع المخلفات الحربية منها. كما يعمل على مسح المناطق التي تتعرض للفيضانات والسيول حيث تقوم السيول بنقل المخلفات من منطقة إلى أخرى ما يستدعي إعادة مسح تلك المناطق.
كما أن مديرية الدفاع المدني تقدم توصياتها للمواطنين وتدعوه فيها إلى الابتعاد عن المناطق التي تحمل إشارات تحذيرية خاصة في مناطق الرعي والمناطق السياحية في سفوح جبال حمرين والشريط الحدودي الشرقي. كما حذرت من العبث بالأجسام الغريبة وشددت على ضرورة الإبلاغ الفوري عنها.
وإن للحشد الشعبي دوراً محورياً في إزالة المخلفات الحربية منذ تأسيسه في عام 2014 هذا ما أكده مهند حسين معاون مدير إعلام هيئة الحشد الشعبي، مضيفاً أن الحشد قاد جهوداً كبيرة في تطهير المناطق المحررة من العبوات الناسفة والمخلفات الحربية بما في ذلك تفكيك المنازل والعجلات المفخخة وكذلك الأراضي الزراعية والمنشآت الحكومية والأهلية.
وشملت هذه الجهود مناطق جرف النصر سامراء آمرلي مصفى بيجي والطاقة الحرارية بالإضافة إلى محافظات تكريت الأنبار ونينوى.
وأوضح أنه في عام 2020 انضم الحشد الشعبي إلى الجهد الوطني الخدمي المجاني بالتعاون مع وزارتي الدفاع والداخلية وتم إعداد وثيقة تحدد الأدوار والمسؤوليات الموكلة لكل جهة حسب القواطع وأهمية المواقع الملوثة.
ويواجه العراق تلوثاً كبيراً بالمخلفات الحربية والألغام يمتد من الحدود الجنوبية في البصرة والعمارة والكوت وصولاً إلى المحافظات الشمالية وحقول الألغام المنتشرة في مناطق عدة.
وبيّن حسين أن التلوث بالمخلفات الحربية في العراق واسع النطاق خاصة في المناطق الممتدة من البصرة حتى صحراء الأنبار. ويتم تنفيذ عمليات التطهير بجهود وآليات الحشد الشعبي إلا أن هناك شركات ومنظمات تقدم الخدمات نفسها مقابل تكلفة تتراوح بين 1 إلى 5 دولارات للمتر المربع الواحد ما يشكل عبئاً كبيراً على ميزانية الدولة.
كما أكد حسين أن الحشد الشعبي بالتعاون مع وزارتي الداخلية والدفاع وضع خطة طويلة الأمد لتطهير المناطق الملوثة بالمخلفات الحربية. تركز الخطة على المناطق السكنية والمشاريع الحكومية التي تدعم الاقتصاد الوطني والمناطق النائية التي يسكنها الرعاة والبدو. وبالرغم من التزام الجهد الوطني في التصدي لملف المخلفات الحربية أشار حسين إلى ضعف الدعم الحكومي المقدم لهذه الجهود حيث اعتمد الحشد الشعبي في أغلب عملياته على إمكانياته الذاتية دون الحصول على الدعم اللازم من الجهات المعنية أو المحافظات المتضررة.
وعدد مهند حسين إنجازات الحشد الشعبي في هذا المجال وهي مشروع النبراس في البصرة حيث تم تطهير 3 ملايين متر مربع ورفع 280 مخلفاً حربياً. وفي بادية السماوة بالمثنى تم تطهير 30 موقعاً ملوثاً بمساحة تزيد عن 14 مليون متر مربع ورفع 3015 مخلفاً حربياً. وفي بادية النجف الأشرف تم تطهير 50 كيلومتراً وإتلاف 290 قنبلة عنقودية و11 صاروخاً بوزن يتراوح بين 290 و500 كيلوغرام. وفي نهضة نينوى تم تطهير المحافظة بالكامل ورفع 750 عبوة ناسفة ومخلفاً حربياً بالإضافة إلى تطهير 6 معامل للتفخيخ و30 منزلاً مفخخاً و10 مواقع حكومية. وفي مدينة الجواهري السكنية في بغداد العمل جارٍ على تطهير 18 مليون متر مربع.
من جهتها، تؤكد سفيرة ذوي الإعاقة 2025 ورود طالب، التي تعرضت في سن العاشرة لحادث مأساوي عام 2005 بانفجار لغم أرضي في ضواحي بغداد أفقدها الوعي وغمرها في ظلام عميق، أن “جهود الحكومة العراقية في إزالة الألغام جيدة لكنها غير كافية”، مشيرة إلى أن “العديد من الأراضي لا تزال تعاني من الألغام المدفونة، وأن تغير المناخ والسيول تؤدي إلى نقل هذه الألغام إلى مناطق جديدة ما يزيد من خطورتها”.
ويقول المستشار موفق الخفاجي رئيس تجمع ذوي الإعاقة وعضو التحالف الدولي للإعاقة إن التجمع تأسس في عام 2003 للدفاع عن حقوق ذوي الإعاقة مع التركيز على الدمج المجتمعي والعدالة وفق التشريعات.
ويسعى لضمان تكافؤ الفرص في التعليم والعمل وتحسين البنية التحتية لتكون ميسرة مع توفير الرعاية الصحية والمستلزمات الضرورية. كما يركز على إدماج الفئات الضعيفة كالأطفال والنساء في البرامج التنموية وضمان المشاركة السياسية، مضيفاً أن أبرز التحديات تشمل البنية التحتية غير الملائمة والتنمر الاجتماعي والتقصير الحكومي في تنفيذ القوانين المتعلقة بحقوق ذوي الإعاقة، مؤكداً مواصلة العمل لضمان حياة كريمة وحقوق متساوية.
