الأخبار

كربلاء؛ من ملحمة تاريخية إلى أيقونة فنية وثورية معاصرة في العراق

الهدى – متابعات ..

في العراق، لا تقتصر واقعة كربلاء على كونها حدثًا تاريخيًا يعود لعام 680 ميلادية، بل هي نسيج حي يتخلل الواقع اليومي، يُعاد إنتاجه وتشكيله في مختلف أشكال الفنون الإبداعية، وكأنها تتشكل من جديد في كل مرة.

وتتجاوز هذه الملحمة حدود السرد القصصي والطقوسي لتصبح رمزًا ثقافيًا بصريًا عميقًا، يتقاطع فيه الديني بالسياسي، والتاريخي بالحاضر، والفردي بالجمعي.

ويُقدر أن ما يقارب 70% من الإنتاج الفني الموسمي المرتبط بالمناسبات الدينية في العراق يقترب من كربلاء، سواء بشكل مباشر أو من خلال رموزها الممتدة.

وهذا الحضور الكثيف يطرح تساؤلات ملحة حول ما يحاول الفن قوله عن كربلاء اليوم، وعن هذا التزايد اللافت الذي يكشف عن تحول واقعة الطف إلى بنية رمزية ثقافية شاملة، هل تحولت كربلاء إلى هوية بصرية جماعية، أم إلى علامة ثقافية عابرة تُستهلك كما تُعلق اللوحة؟

الفن التشكيلي يتجاوز السرد التقليدي

وعلى الرغم من مرور أكثر من 14 قرنًا على واقعة كربلاء، لا تزال هذه الحادثة تشغل مساحة مركزية في الوجدان الشيعي وفي الذاكرة الثقافية العراقية.

ومع تكرار تناولها في الأدب والخطابة والشعائر، بدأ الفن التشكيلي منذ سنوات بتقديم معالجة مختلفة تتجاوز الطابع الطقوسي، لتدخل في عمق الأسئلة الرمزية والإنسانية.

وفي هذا السياق، تبرز تجربة الفنان التشكيلي العراقي عمار الشمري، الذي أنجز واحدة من أضخم اللوحات البانورامية التي تناولت واقعة الطف، وعُرضت في معرض الطف السنوي الذي تقيمه وزارة الثقافة.

ولوحة الشمري، التي شغلت جدارًا كاملًا، لم تكن مجرد إعادة تصوير للمأساة، بل قراءة بصرية تحاول الإمساك بجوهر الصراع وأبعاده النفسية والاجتماعية.

ويُبين الشمري، أنه لم يكن مهتمًا بتكرار المشهد التاريخي نفسه، مؤمنًا بأن الفن ليس فقط إعادة تمثيل لما حدث، بل هو تجديد وتفسير للواقع بأسلوب جديد. ويهدف في لوحته إلى تقديم كربلاء كقيمة رمزية وإنسانية تفتح أبواب النقاش والتأمل في العصر الحديث.

ويضيف: “ما كنت أسعى إليه هو أن أخلق خطابًا بصريًا يعبر عن روح الواقعة، دون أن أسقط في فخ التفسير السطحي أو الاستعارات المبالغ فيها، مبينا ان اللوحة ليست مجرد استعراض لحظة الدم والقتال، بل هي تأمل في الموقف، في الوعي المتشكل في تلك اللحظات، وحاولت أن ألتقط التوتر، الوجوه، الانفعالات التي تسبق اللحظة الحاسمة.”

ويبتعد الشمري عن الشكل التقليدي للتعبير عن واقعة كربلاء في الفن التشكيلي، حيث لا تقتصر لوحاته على مشاهد القتال، بل يركز على ما وراء المعركة، محاولًا التقاط لحظات الصراع الداخلية للأبطال. بالنسبة له، تتجاوز اللوحة الحدود العاطفية، لتصل إلى عمق الإشكالية الإنسانية المتمثلة في الاختيار بين الحق والباطل، وهي المعركة التي تمثلها كربلاء في أكثر تجلياتها تمثيلًا للواقع المعاصر.

ويشرح الشمري باهتمام كيف أن كل تفاصيل اللوحة كانت مدروسة بعناية: “كنت أركز على توزيع الضوء، على الفراغات بين العناصر، على منح المشهد فرصة للتنفس. اللوحة بالنسبة لي ليست مجرد تجميع للألوان، بل هي حوار صامت بين الحاضر والماضي، بين معاناة اليوم وما جرى في الماضي. كنت أبحث عن كيفية تقديم الحسين كرمز، مع الحفاظ على مفهومه كرمز من دون الوقوع في فخ المبالغة أو الاستغلال الشعائري.”

والرمزية في عمل الشمري تعكس نهجًا مدروسًا في اختياراته البصرية. فالشواهد البصرية التي استخدمها لا تقتصر على الرموز التقليدية، بل توسع الأفق لتشمل مفردات بصرية تحمل دلالات عدة، تهدف إلى دفع المتلقي لإعادة التفكير في الأسئلة الكبرى التي تطرحها الواقعة.

ويؤكد الشمري: “في لوحتي، أردت أن أطرح الأسئلة الأكثر إلحاحًا: ماذا تعني كربلاء في هذا الزمن؟ وما الذي يمكن أن نتعلمه اليوم من هذه المعركة؟ كيف يمكننا نقل قيمة المقاومة والتحمل التي تجسدها كربلاء إلى المجتمع المعاصر؟”

وتتجسد في حديث الشمري أهمية الفن في التأثير على الوعي الجمعي في العراق والعالم العربي ككل. بالنسبة له، الفن هو أداة لتجديد التفكير، لا مجرد محاكاة للزمن أو ردة فعل عاطفية: “إن الفن التشكيلي يجب أن يكون أكثر من مجرد انعكاس للمشاعر؛ ينبغي أن يكون أداة للتحفيز على التفكير، على التحليل، على فهم الواقع المعيش. لوحتي عن الطف هي محاولة لكسر الجمود الفني المعتاد وإعطاء العمل الفني أبعادًا جديدة تواكب حركة الفكر المعاصر.”

كربلاء: أيقونة نضال وثورة

ومنذ ستينيات القرن الماضي، بدأ الفنانون العراقيون في تصوير واقعة الطف عبر رموز بارزة مثل السيوف، الخيول، والرأس المقطوع.

وفي هذا السياق، تؤكد الفنانة هدى أسعد على دور الفن كأداة حية للتفاعل مع القيم الإنسانية المستخلصة من كربلاء.

وتشير أسعد إلى أن الفن التشكيلي لا يمثل فقط إعادة تصوير للأحداث، بل هو “لغة بصرية” قادرة على نقل المعاني التي تتجاوز الزمن والمكان.

فاللوحات التي استخدمها فنانون مثل كاظم حيدر وضياء العزاوي لا تُحاكي تاريخًا جامدًا، بل تقوم بتفعيل الذاكرة الجماعية، وتؤكد على أن الفن ليس فقط للتوثيق، بل هو وسيلة لحمل الرسائل التي تحاكي القيم الإنسانية العميقة مثل العدالة والصمود.

وتضيف: “إن تأثير واقعة الطف في الفن التشكيلي لا يقتصر على استحضار مشاهد القتال، بل يعكس أيضًا الروح المقاومة التي تجسدت في كربلاء. عبر الألوان والخطوط، أصبح الفن هو الوسيلة الأكثر تعبيرًا عن معاني الحق والباطل، والتضحية في مواجهة الظلم.”

وفي حين يرى البعض أن الطقوس الدينية تقتصر على أدوار وجدانية وشكلية، يرى آخرون أنها أداة فعالة في تشكيل الوعي الجمعي والهوية الثقافية، وتؤدي دورًا محوريًا في صياغة المواقف السياسية وبناء الذاكرة التاريخية للمجتمعات.

ويؤكد الباحث والمفكر العراقي خالد العرداوي، أن كربلاء ليست مجرد مكان ديني، بل “رمز ثقافي عميق ساهم في بناء وعي إسلامي يقوم على مفاهيم المقاومة والعدالة ورفض الفساد”.

ويوضح العرداوي ان “الهوية الثقافية لأي مجتمع هي انعكاس لما يؤمن به من عادات وتقاليد وأنماط تفكير وسلوك، والطقوس الدينية تُعد أداة مهمة في هذا التكوين، ليس على المستوى الديني فحسب، بل أيضًا على المستوى السياسي.”

ويضيف: “كربلاء شكّلت، على امتداد التاريخ، مصدر إلهام للمسلمين في فهمهم لقيم التضحية والكرامة والحرية. ومنها تشكلت مواقفهم من الأنظمة الحاكمة، حيث لا يستقرون على حكم ظالم، حتى لو انتمى لهم اسميًا، ما دام قد خالف مبادئ النهضة الحسينية.”

ويختتم العرداوي بالقول: “كربلاء ليست ذكرى عابرة، بل مشروع وعي مستمر، وحاضنة لقيم المقاومة والكرامة الإنسانية.”

لقد تحولت رموز واقعة الطف، التي كانت تعبيرًا عن الحزن والأسى، إلى أيقونات ثورية تُستخدم في ساحات الاحتجاج في العراق وغيرها من الدول. التشكيلي الذي كان في البداية وسيلة لتمجيد الحزن والتذكير بالدماء الزكية، أصبح اليوم أداة للتعبير عن المقاومة السياسية ومواجهة الأنظمة القمعية. من السيوف والرايات إلى الخيول المهيبة، يعكس التشكيل العراقي اليوم تحولًا في استخدام الرموز، حيث تتحول إلى أداة للثوار في سبيل التحرر من القمع.

ويرى التشكيلي والشاعر عمار حاتم أن الفكرة تبلورت لدى الشعوب أولًا نتيجة ما عانته من حروب وقهر وحصارات وقمع لثورات ضد الاستعمار أو السلطات الظالمة عبر تاريخها.

وكملحمة إنسانية، استلهمت الشعوب المقهورة منها فكرة الرفض للظلم والاستعباد، وخُلقت مقاربات بين ما يؤمن به الرمز الثائر (البطل) أو مجموعة من الثوار وبين الملحمة الأم (الطف)، واستلهموا من كربلاء كل القيم الإنسانية.

ويشير: “لقد تحول المشهد من البكاء حزنًا إلى رفض للظلم ومقاومة وتحول الشهيد إلى رمز للثبات على مبدأه في رفض الظلم وتحقيق العدالة، وبطل خلده التاريخ رغم عدم تكافؤ المعركة! وهذا جعلها كملحمة حاضرة في وجدان الأحرار، لا كواقعة انتهت قبل قرون، بل هي رسالة خالدة لا تزال تُقرأ في كل زمان وتتجدد.”

ويوضح حاتم أن الفنان “ابن بيئته حيث يتشرّب منذ طفولته القيم والرموز، واللغة والمعتقدات بل وحتى الأساطير والفلكلور وعادات مجتمعه فتصيغ له تلك البيئة مخياله البصري واللغوي.”

وفي التشكيل العراقي، كانت أعمال كاظم حيدر في سلسلة “ملحمة الشهيد” ولوحة “الشمر” ودفاتر ضياء العزاوي مع رشدي العامل والشيخ أحمد الوائلي وأعمال أخرى لفنانين، هي توثيق للحظة تحول الملحمة فنيًا من الحزن والبكاء إلى أيقونة للنضال والثورة ضد الظلم. ويؤكد أن العديد من الأسماء المهمة وعشرات الفنانين قد جسدوا الملحمة بشكليها الثوري والحزين.

حتى أن هناك لوحات رُسمت في مدن مختلفة من العالم من قبل مجموعة من الفنانين على جدرانها بطريقة (الفن الغرافيتي) تجسد فكرًا ثوريًا وتشير بشكل مباشر إلى رموز ثورية ترتبط من خلال اللوحة ورموزها بكربلاء وعاشوراء.

وفي النهاية، يؤكد حاتم أن “هناك عشرات الأعمال الفنية حولت القضية من مشهد حزن وألم إلى أيقونة ثورية.”

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا