يبدأ الرضيع بالتعرف على أجزاء جسمه مع مرور الزمن، فيستوعب مكانة اليد وعملها، ومنزلة العين ودورها، وموقع الرجل ومهمتها وهكذا، وكذلك يتعرف على الأمور المادية المحيطة ابتداءً من سريره وألعابه وانتهاء بالمحيط الخارجي كالشوارع والبيوت والجبال والطبيعة وغير ذلك.
ثم مع نموه البدني عبر السنوات المختلفة، يتعرف على بعض الأفراد وعلى عاداتهم وتقاليدهم وطريقة تعاملهم مع الحياة وأفكارهم ومعتقداتهم، وإضافة إلى كل ذلك يبدأ الإنسان بتكوين تصوّر معين عن شخصيته خلال فترة من الزمن.
فكما أنه يكون فكرة عن الواقع الخارجي، يكون أيضاً فكرة عن نفسه وشخصيته، ولكن عادة ما لا تكون هذه الصورة مكتملة، أي أنه يقف عند حد معين في تفكيره عن نفسه، وهذا ما يسبب الجمود وعدم التقدم للكثير من الناس، فيعتبر ما هو عليه أقصى ما يمكن أن يصل إليه، فلا يسعى إلى التطوير أو التقدم.
ولأن في الإنسان مسحة من الروح التي نفخها الله في داخله، وتحتوي هذه النفحة على طاقات هائلة لا يمكن التعرف عليها خلال فترة زمنية محدودة، لذلك أنت بحاجة دوماً إلى إعادة النظر في الصورة التي تكوّنت في ذهنك عن شخصيتك، فلربما كنت تمتلك كفاءات دفينة لا تعلم عنها، ألا نرى مثلاً أن أناساً بعد فترة طويلة من الجمود على حالة واحدة فجأة يكتشفون أن لديهم كفاءات وقدرات أخرى فينطلقون بهذه القدرات نحو نجاحات باهرة.
والمشكلة تكمن في أننا نجمد على الصورة التي تكوّنت في أذهاننا؛ فلاننا – مثلاً – فشلنا مرة في عمل معين فإننا نبقى نعتقد دائماً أننا غير قادرين على إنجاز هذا العمل، قد يحاول أحدنا أن يحفظ بعض السور القرآنية فيفشل، ولذلك يكوّن عن نفسه فكرة بأنّه لا يستطيع الحفظ، لأنه في عدة مرات حاول الحفظ ولكنه أخفق في الكثير، وأصاب في البعض القليل.
صحيح أنك قد تبدأ من الصفر، وقد لا ترى النتائج مباشرة، ولكن بعد فترة سترى الكثير من النتائج والتأثير، وكل ذلك من فضل الله تبارك وتعالى
كان أحد الإخوة الشعراء يجيد نظم الشعر ومرت عليه فترة قال فيها: إن نبع الشعر قد جفّ، وليس باستطاعتي نظم بيت واحد من الشعر بعد الآن. وكان يفلسف هذه الفكرة بقوله: إن كل إنسان يأتي للدنيا ولديه مقدار محدود من الشعور، وهذا المقدار هو الذي بإمكانه أن ينظم به أبياتاً من الشعر.
ولو أنّ الطفل الصغير جمد على الفكرة الأولى التي كونها عن نفسه لما استطاع المشي أو الأكل أو القراءة وما شابه ذلك.
نحن بحاجة إلى معرفة أنفسنا وشخصياتنا ولن يكون ذلك إلا باتخاذ القرار الحقيقي، “لأنه مَا جَهِلَ وَلَا ضَاعَ امْرُؤٌ عرَفَ قَدْرَ نَفْسه” كما يقول الإمام الكاظم ، ومن سار في طريق هذه المعرفة سيكتشف الطاقات والكفاءات المخبوءة داخله، فهذه الروح التي فيك تحتوي في داخلها طاقات وكفاءات جمة، وبمرور الزمن قد تكتشف هذه الطاقات وقد لا تكتشفها، مثلاً: لو أنك قررت ـ وقد كنت من الذين يصعب عليهم الحفظ – أن تحفظ فإنك سترى بعد، فترة بأنك تحفظ دون شعورك بذلك
إن مشكلتنا دائماً تكمن في المرحلة الأولى من العمل وهي مرحلة صعبة لأنها تأسيسية، ولكن بعد المزاولة والتعود تنطلق ونعتاد على ذلك وتستخرج ما بداخلنا من مكنون، وهناك الكثير من الناس بدأت شخصياتهم تتكون بعد الثلاثين أو بعد الأربعين، وكثير من الناجحين والعظماء والثوار والزعماء في التاريخ لم يبدأوا حياتهم إلا من الصفر.
ولكي يوقد الإنسان الشموع في داخله، والتي كانت مطفأة قبل أربعين عاماً مثلاً فهو بحاجة إلى قدر موزون من الإرادة الحقيقية، وليس التخيل أو التمني، وبحاجة إلى بعض النضج كي يعقل الأمور، وبمرور الزمن يتفتح العقل أكثر فأكثر، وينطلق الإنسان في آفاق الحياة.
ألم يقل الإمام علي، عليه السلام، حينما تحدث عن دور الأنبياء: “فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ ليَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكَّرُوهُمْ مَنْسِيَ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِي، وَيُشِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُول”. فالأنبياء والأولياء يسعون إلى فتح عقول الناس، كي يعلموا عظمة أنفهم ومن ثم يسمون بهم إلى المعالي.
وهنا مسألة هامة وأساسية لا يجوز إغفالها وهي أن علينا أن نؤدي واجبنا وليس بالضرورة أن يتحقق الهدف؛ فعليك أن تسعى وليس عليك أن تكون موفقاً، ولن تخسر شيئاً، وقد تواجه مشاكل وصعوبات في العمل ولا شك في ذلك، ولكن الأجر والثواب لا يضيع {فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} . (سورة يوسف، الآية:90)
صحيح أنك قد تبدأ من الصفر، وقد لا ترى النتائج مباشرة، ولكن بعد فترة سترى الكثير من النتائج والتأثير، وكل ذلك من فضل الله تبارك وتعالى، فكما أن الإنسان يولد من بين ٥٠ مليون حيمن يقذفه الرجل في رحم المرأة، ولا يصل إلا واحد، وإن كل شيء يبدأ صغيراً ثم يكبر، فالمطر من قطرة، والشجر من بذرة، وكذلك الأعمال العظيمة فهي تبدأ صغيرة ثم تكبر، والمهم هو أن نكتشف الطاقات الكامنة وتسمح لها بالانطلاق.
وكما أن المطلوب أن يكتشف الإنسان ذاته، كذلك مطلوب من الشعوب والأمم أن تكتشف نفسها، وتكتشف قدراتها وقادتها، فإن الكثير من الشعوب تجهل طاقاتها، وتعيش متخلفة وفي نهاية السلم الحضاري، بالرغم من أنها قادرة أن تفعل الكثير وتمتلك الطاقات المكنونة للتقدم والنجاح.
لكي يوقد الإنسان الشموع في داخله، والتي كانت مطفأة قبل أربعين عاماً مثلاً فهو بحاجة إلى قدر موزون من الإرادة الحقيقية، وليس التخيل أو التمني، وبحاجة إلى بعض النضج كي يعقل الأمور، وبمرور الزمن يتفتح العقل أكثر فأكثر، وينطلق الإنسان في آفاق الحياة
ألم يأتي رسول الله، صلى الله عليه وآله، إلى المجتمع الجاهلي الذي كان يعيش الانحطاط والتخلف، وحولهم إلى أمة متقدمة قادت الأمم؟!
وقد يقول قائل: ربما اكتشفت شخصيتي وبدأت بالعمل ولكن أليس العمل فيه خطأ وصواب؟
ونقول: هذا صحيح، فالرسالة التي لم تكتب لا أخطاء فيها، ولكن التي كتبت فيها، فربما تحمل أخطاء، فالإنسان قد يخطأ، والمهم أن لا تضعف الإرادة حتى ينجح ويصيب.
إنّ الحلقات والدوائر في الإنسان هي أكثر من الدوائر المتكوّنة عند إلقاء حجر في الماء، لأن كل شيء يؤثر على الآخر، فكل عمل يتكرر في مثله، وتراكم التجارب الناجحة هو الذي يصنع النجاح.
إذن ثلاثة أمور يجب أن نضعها نصب أعيننا ونحن نحاول بناء شخصياتنا:
- أن نكتشف طاقاتنا الكامنة، ونخترع الأساليب الجديدة في التعامل مع الناس والحياة بمرور الزمن.
- إن الله موجود وهو بدوره سبحانه وتعالى يوفق صاحب العمل الصالح، فالمطلوب التوكل عليه والانطلاق في الحياة.
- إذا كانت الإرادة متوفرة فالخطأ والصواب وسيلتا النمو، والتطور حتى يتم النجاح.
___________
مقتبس من كتاب كيف تبني شخصيتك
