رأي

لماذا يطاردون الشعائر الحسينية؟

بات واضحاً استهداف الشعائر الحسينية كلما حان موعدها في بدايات شهر محرم الحرام حتى يوم عاشوراء، ثم تكون ثمة تريّث و “استراحة محارب”! لتبدأ المطاردة من جديد مع اقتراب أيام أربعين الامام الحسين، عليه السلام.

المنشورات والاشاعات تسعى لأن تشمل كل اشكال العزاء ومظاهر الحزن والخدمات، بالانتقاد، والتشهير، والقدح، والتشكيك، معظمها يختفي خلف ستار الإصلاح، وأن الهمّ “محاربة الأساطير والخرافات”، و”اقران الممارسات العاشورائية بالعقل”، و”مراعاة الرأي العام العالمي”، وربما لدى البعض نوايا حسنة، وهم يعربون عن حرصهم على إنجاح الشعائر الحسينية، وتحقيق أهدافها في بناء الانسان والمجتمع، بيد أن الخطاب المطروح في الساحة بشكل عام يترك انطباعاً غير سليم لدى المؤمنين، فلم نقرأ يوماً اقتراحاً او فكرة جديدة لتنظيم أفضل للمواكب العزائية والخدمية، أو ما ينشر الثقافة الحسينية بين افراد المجتمع، لاسيما الشباب، والنساء بما يزيدهم وعياً وفهماً لما جرى على الامام الحسين، وما هي قضيته بالأساس؟

وإن كانت ثمة مقترحات وأفكار، فهل أنها تصل الى أصحاب المواكب والحسينيات والخطباء والمعنيين بالشعائر من خلال وسائل التواصل الاجتماعي؟ أليس من الأجدر بهم مخاطبة هؤلاء مباشرة في أماكنهم المعروفة؟

مما يؤسف للبعض أنهم يخلطون بين طريقة ظهور الشعائر الحسينية، وبين طريقة التعليم في المدارس والجامعات، ففي الاذهان العامة؛ كل شيء يتعلمه الانسان لابد ان يكون وفق أسس علمية ومنهجية، بمعنى؛ أن اللطم على الصدور، أو ضرب الظهور بالسلاسل، وحتى التطبير، مروراً بطهي الطعام، وتسيير المواكب في الشوارع وغيرها، لابد من وجود مصادر تشرّع وتسوّغ هذه الممارسات، فاذا المصاب متعلق بأهل البيت، عليهم السلام، فلابد من أن يكون الامام الصادق -مثلاً- كونه الأقرب الى إحياء ذكرى الامام الحسين، قد ذكر شيئاً من هذه الممارسات في رواية تنقل عنه، وإلا تكون نوعاً من العبث والاعمال الخارجة عن العقل والحكمة.

أجزمُ لو أن الشعائر الحسينية التي يمارسها الشباب والأطفال والنساء، ومختلف افراد المجتمع كانت مجرد “فلكلور” كما يصفها البعض، وأعمال عاطفية خالية من المعاني والدلالات التربوية، لما تعرضت لكل هذا الهجوم المنظم في الوقت المحدد

اذا كنا نبحث عما يوثق الشعائر الحسينية على لسان الامام الصادق، عليه السلام، فها هو الامام نفسه يطلب من شاعر موالي يقرأ عليه أبيات من الشجن على مصاب جدّه الحسين، بأن يقرأ عليه “كما تقرأون في العراق”. فكيف كانت قراءة الرثاء عند العراقيين آنذاك؟ ومن اين تعلموا هذه الطريقة التي اعتمدها الامام المعصوم كنمط للإلقاء؟

يُروى أن الأصعمي –الشاعر العباسي- خاطب أعرابياً ذات مرة: “ما بال الرثاء أشرف أشعاركم؟! فقال: نقولها وقلوبنا تحترق”.

من هذه وغيرها نفهم فلسفة الشعائر الحسينية، وما يقف خلف اشكال التعبير عن الحزن والرثاء على مصاب الامام الحسين وأهل بيته، وأن القضية عفوية برمتها، ولا تعتمد منهجاً مكتوباً او نصّاً يفصل لهذه الممارسة او تلك، وطريقة الأداء، إلا الخطوط العامة التي بينها الأئمة المعصومين بضرورة إحياء ذكرى عاشوراء.

أما الممارسات التي نراها اليوم، لاسيما في مدينة كربلاء المقدسة، فهي تعد تراكمات من عادات وتقاليد وتلاقح ثقافات بين الشعوب المتأثرة بالواقعة، مثل الشعب الإيراني، والشعب الهندي، والشعب الاذري، وهي مسالة طبيعية وإيجابية تعكس البعد الحضاري والإنساني للنهضة الحسينية، فتجتمع كل الاعمال والممارسات التي نراها في الشارع في مسار واحد وهو؛ المواساة، بدءاً بالتطبير، مواساة مع الامام الحسين الذي تعرض للضرب على رأسه قبل استشهاده، والضرب بالسلاسل، مواساة مع السبايا، واللطم على الصدور والبكاء لإظهار الجزع، وتوزيع الماء مواساة مع العطش، وحتى الرايات والطبول للدلالة على استمرارية المعركة وعدم سقوط الراية، وغيرها كثير من الاعمال في هذه الايام.

ولنا أن نتسائل عما يثير انزعاج البعض من ان تتفاعل شريحة من المجتمع، لاسيما الشباب مع عاشوراء؟

هل ان خروج الشباب الى الهيئات والحسينيات وفي مواكب اللطم والتطبير والزنجيل وتوزيع الطعام، يعلمهم كيفية إثارة الغرائز بين افراد المجتمع مما يؤدي الى تعطيل العقول وقتل الوقت في التفاهات؟! أم أن هذه الاعمال تعلمهم ممارسة العنف والقسوة داخل الأسرة وفي علاقاتهم الاجتماعية؟! أم أن استذكارهم لقضية الامام الحسين الإصلاحية، ووقوفه بوجه الظلم والانحراف، تعلمهم كيفية نشر الأفكار والثقافات المناقضة للفطرة السليمة، في طريقة المأكل والملبس وحتى التعامل مع الأبوين؟!

أجزم لو أن الشعائر الحسينية التي يمارسها الشباب والأطفال والنساء، ومختلف افراد المجتمع كانت مجرد “فلكلور” كما يصفها البعض، وأعمال عاطفية خالية من المعاني والدلالات التربوية، لما تعرضت لكل هذا الهجوم المنظم في الوقت المحدد.

اليوم تنفق المليارات للتأثير على عقول الشباب ومشاعرهم، من انتاج السلع الاستهلاكية والمواد الإباحية والأفكار التحررية، ثم نشهد حدثاً تاريخياً واحداً عمره أربعة عشر قرناً، ويترك كل هذا التأثير البالغ في النفوس، فيغير الطباع والأخلاق، وحتى يتدخل في الأفكار والقناعات وحتى العقائد، الى درجة التحول من دين الى آخر، ومن مذهب الى آخر، دون إنفاق فلس واحد، بل العكس، نلاحظ إنفاق الناس الملايين لإحياء هذا الحدث التاريخي، وهذا أمرٌ يستوقف العديد من أصحاب المؤسسات والمراكز البحثية المعنية بصناعة الثقافات في العالم والتحكم بها. 

ولكن؛ هل يحصلون شيئاً من مطاردتهم الطويلة هذه؟

نفهم فلسفة الشعائر الحسينية، وما يقف خلف اشكال التعبير عن الحزن والرثاء على مصاب الامام الحسين وأهل بيته، أن القضية عفوية برمتها، ولا تعتمد منهجاً مكتوباً او نصّاً يفصل لهذه الممارسة او تلك، وطريقة الأداء، إلا الخطوط العامة التي بينها الأئمة المعصومين بضرورة إحياء ذكرى عاشوراء

شهدنا منذ القرن الماضي القدح والاستهزاء بخطباء المنبر الحسيني على أن شغلهم “قتل الحسين على المنبر والاسترزاق به”، فظهر جيل من الخطباء ممن يعتمد العلم والمعرفة لنشر القضية الحسينية، كما شهدنا التشكيك بالماء والطعام وأنه غير صحّي، فجاءت الاقداح ذات الاستخدام مرة واحدة، والتنظيم والرعاية الصحية بالطبخ، والتطور الملحوظ في هذا الجانب، وتحدثوا عن إيذاء النفس بالتطبير واللطم والزنجيل وغيرها، ولم يتأذى أحد من المعزين طوال عقود من الزمن.

بلى؛ الشعائر الحسينية كممارسة جماعية ومجتمعية بحاجة الى تقويم وإصلاح دائمَين لتبقى في خط متوازٍ دائم مع القيم والمبادئ التي ضحى من اجلها الامام الحسين، عليه السلام، وهذا ما يعمل عليه المخلصون مع مرور الزمن، ولو بشكل تدريجي وبنسب معينة كل عام، لكن لن تكون بأي حال من الأحوال سبباً للأفول، فهي قضية ربانية قبل كل شيء، لارتباطها بالرسالة المحمدية، وبإرادة السماء بأن يبقى “الحسين مصابح هدىً وسفينة نجاة”.     

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا