أدب

من قِربةِ العباس يهدر فرات الشعر

الماء هو الحياة والنماء، وهو النشيد الذي يلهج باسم سيد السقاة، وحامل اللواء أبي الفضل العباس عليه السلام نهر الوفاء والبطولة والتضحيات، وما زالت القربة الساقية في ذاكرة العاشقين تبحث عن عطاشى لتروي ظمأهم، فقد تفجرت ذات عاشوراء بسهم غادر بلا ضمير، فثار الماء وتدفق عذباً ليسقي العصور ويغدق المدى بالحقول والرياحين، وما زال الماء يأبى أن يفارق قبر الساقي صاحب الجود.

يجري بعذوبته  وكأنه يريد أن يكفّر عن جفائه للحسين، عليه السلام، وللنساء والأطفال وعجزه عن أن يروي العطاشى، وما زال الماء يجري على ألسنة الشعراء، يتدفق فراتاً ليسقي العالم قيماً ومبادئ سامية وهم يعبّرون عن عشقهم وولائهم للقضية الحسينية الخالدة وللوفاء المتجسد في شخصية أبي الفضل عليه السلام.

فيسقينا الشاعر السيد محمد رضا القزويني رحمه الله بأبيات من قصيدته  (بطولة من حيدر) وهو يجسد إيثار العباس، عليه السلام، بامتناعه عن شرب الماء وتضحيته قرب نهر الفرات إذ يقول:

تقف الحياة لكي تخلّد وقفة 

فوق الفرات تردّ فيها ماءها

مستذكراً عطش الحسين وأهله

فرحلْت كي تسقي الخيام ظماءها

آثرتهم عند الفرات بشربة

دوّت فأسمعت الدنى أصداءها

فقتلت عطشاناً تحاول ريّهم

أوكنت تبلغ (لو شربت) جزاءها؟

ويصور الشاعر د. أحمد الخيال في قصيدته (أخ الحسين) صورة العينين  وتحولاتها حين دنا الماء، فقد أذرفت الدمع ثم تلفتت نحو الحسين، عليه السلام، وهي في أوج  قلقها المتوقد المستشعر لحالات العطش في تلك الساعة الحارقة، لكن الماء لم يستقر في كفيه لأن نفس العباس الأبية الوفية تأبى أن تذوقه ووراءه الإمام الحسين، عليه السلام، والأطفال والنساء تحترق أكبادهم احتراقاً عظيماً بالظمأ، فلنستمع لخرير الماء الرقراق:

حتى دنا ماء الفرات فأذرفت

عيناه دمعاً واستقاه الماء

فتلفّتت نحو الحسين شهامة

والعذب جار صافيٌ لألاء

فانساب من بين اليدين, ونفسه

 تأبى وأهله في الخيام ظماء

لم تتفجر القربة ثائرة الا لكي ترتوي الأرض، ولم تعطش النفوس وتحترق الا لكي يتدفق الخير والوفاء والمحبة، كل شيء له ثمن، وكل تضحية وراءها قضية عظيمة، إنها خالدة في كل موقف، او في كل عمل خير، وفي كل كلمة باسلة

ومن سقوط الماء من كفي العباس عليه السلام وإبائه يتدفق الشاعر الشيخ عبد المجيد فرج الله ظامئاً في قصيدته (عباس يا أحلى ابتسامة حيدر) مستنجداً بسيد الماء من العطش والشوق و الجوى ويطلب منه الغيث، حيث أن السحاب يرتوي من كفيه الكريمتين فيهطل الخير الكثير، هكذا هم الموالون الذين يلتجئون الى نهر العقيدة والوفاء، نهر النقاء والعطاء ليستسقوا من النبع الأصيل ويغدقوا صحراء النفوس الظامئة فيهدر فرات الشعر بكل عذوبة:

ظمئي يجيئك نورسا محسودا 

قم هام فيك جوى، أنله ورودا

متفتّتا عطشاً، وغيثك منية

مخبوءة تهب الوجود وجودا

من بين كفّيك السحائب ترتوي

فيعاد تشكيل الغمام رعودا

فأي كفين، بل أي نبعين وهما يعيدان تشكيل الغيوم فترعد في وجه كل جاحد ومقفر لتمتلئ الأرض صحوة وماء وهذا المعنى  يوصله لنا الشاعر مرتضى الحمامي في أبيات من قصيدته (احتراق الوعد.. بين الماء والطّين)  وهو يصور لنا تحليق سماءين في كفيْ أبي الفضل عليه السلام، وقد شبّه الشاعر تمزق القربة وانسكاب الماء  بسبب تمزق الأمة التي عبرّ عنها بالأشلاء، ولولا ذلك لما كان الانتشار والخلود للقضية الأسمى وهو انتشار القيم والمبادئ التي قدمت لأجلها كل تلك التضحيات الجسيمة:
سماءان في كفيك والأرض تنتظر

فمت ظامئا أو فاجمع الماء وانهمر

لتشربك الأشياء كلّ ابتسامة

وتذكر آلام الحسين وتعتذر

ملأت وكان الماء أشلاء أمّة

من الشمس لم تحرقك الّا لتنتشر

ويرشقنا الشاعر حسام البطاط برشقة شعر من الكلمات الصافية العذبة ببيت من قصيدته (قمر الفرات) وهو يخاطب قمر العشيرة  وهو الأنقى والأوفى فما أغراه ليشرب الماء وحاشاه أن يغريه ماء أو ينهكه عطش فيقول:

وصافحتَ الفرات، وكنت أنقى

فما أغراك – عن عطش – شرابُ

لم تتفجر القربة ثائرة الا لكي ترتوي الأرض، ولم تعطش النفوس وتحترق الا لكي يتدفق الخير والوفاء والمحبة، كل شيء له ثمن، وكل تضحية وراءها قضية عظيمة، إنها خالدة في كل موقف، او في كل عمل خير، وفي كل كلمة باسلة، وفي كل قصيدة تهدر بالولاء، ولن ينضب نبعها الصافي، يجري نهرا لن يتوقف عن السقاية مهما يبست  الرؤوس وازدحمت الأفكار في متاهات العصور.

عن المؤلف

كفاح وتوت

اترك تعليقا