الأخبار

الدفع الرقمي في العراق: تحول واعد يواجه تحديات الفساد وضعف البنية التحتية

في ظل التطورات التقنية العالمية المتسارعة، أصبح التحول نحو أنظمة الدفع الرقمية ضرورة حتمية لتعزيز كفاءة الخدمات المالية والحكومية، لا سيما في الدول التي تمر بمراحل انتقالية مثل العراق.

وتعكس التجربة العراقية في اعتماد هذه الأساليب الرقمية مزيجاً من التحديات والفرص، حيث تسعى البلاد لتحديث بنيتها التحتية المالية، وتوسيع قاعدة الشمول المالي، ومكافحة الفساد، وضمان الشفافية في العمليات المالية.

ويرى المختصون والممارسون أن هذه التجربة تجاوزت مجرد استبدال النقد بالبطاقات المصرفية، لتشكل حافزاً لتغييرات هيكلية في السياسات الاقتصادية والإدارية، وإن كانت لا تزال تواجه معوقات فنية وتنظيمية تتطلب معالجة عاجلة لضمان نجاحها واستمراريتها.

تجارب فردية إيجابية: سهولة وراحة في التعاملات اليومية

وتؤكد الموظفة الحكومية، وسن سامي، أن تجربتها مع الدفع الإلكتروني كانت إيجابية بشكل عام، رغم شعورها بالغرابة في البداية بسبب الاعتياد الطويل على التعامل النقدي.

وأوضحت: “في بداية الأمر، بدا الدفع الإلكتروني نظاماً مستحدثاً وغير مألوف، رغم أننا نتقاضى رواتبنا منذ سنوات عبر بطاقة (الكي كارد)، إلا أن الانتقال إلى استخدام البطاقة في عمليات الدفع اليومية سهل كثيراً من الإجراءات، وجعل التعاملات أكثر تنظيماً وسلاسة”. وأضافت أن أبرز الفوائد التي لمستها هي الراحة وتوفير الوقت، مشيرة إلى أن “الأموال لا تضيع، كما أن الإجراءات أصبحت أكثر اختصاراً؛ إذ لم نعد بحاجة إلى تسلم وصل ورقي أو مراجعة الموظف، بل يكفي إدخال الرقم المطلوب، ثم تتم عملية الدفع عبر البطاقة خلال ثوانٍ، وهو ما أسهم في تقليص الوقت إلى النصف تقريباً”.

بدوره، بدأ الكاسب محمد حسن باستخدام بطاقة الدفع الإلكتروني منذ عام 2024 بعد انضمامه لشركة تعتمد هذا النظام للرواتب، مؤكداً أن تجربته كانت “إيجابية جداً ومفيدة”.

وقال: “أهم فائدة لاحظتها هي الراحة والسهولة في التعامل، سواء في سحب الأموال أو تحويلها، خاصةً مع اعتماد الدفع ببطاقات الماستر في محطات الوقود، إذ تسهل سرعة إنجاز المعاملات داخل المحطة”.

ورغم هذه الإيجابية، أشار محمد إلى مشكلة وحيدة واجهها حين قام بتعبئة رصيد بقيمة 100 ألف دينار عبر الصراف الآلي، حيث لم تكتمل العملية وانسحبت الأموال من حسابه.

وأضاف: “تواصلت مع الشركة، وتم حل المشكلة خلال عدة أيام، وعادت إليّ أموالي”. وأكمل: “واصلت استخدام بطاقة الدفع الإلكتروني حتى الآن، وأصبحت جزءاً كبيراً من حياتي اليومية، لا أترك البطاقة أبداً، إذ أستخدمها في شراء الرصيد، وتعبئة الوقود، وكذلك التسوق عبر الإنترنت بسهولة وسرعة”.

رؤية اقتصادية: توسع كمي وتحديات نوعية

ويرى أستاذ الاقتصاد في الجامعة المستنصرية، الدكتور أحمد هذال، أن العراق شهد تحولاً متسارعاً نحو الدفع الإلكتروني، بدأ فعلياً بعد عام 2016 مع قرار توطين رواتب موظفي الدولة.

وأضاف أن البنك المركزي عزز هذا التوجه بإجراءات تنظيمية، منها تفعيل الحسابات المصرفية وتشجيع استخدام أدوات الدفع الحديثة، وربط التحويلات الخارجية بمنصة الامتثال، مما أدى إلى نتائج كمية لافتة.

وأشار هذال، إلى أن الإحصائيات الأخيرة تُظهر تجاوز عدد البطاقات الإلكترونية المفعّلة 20 مليون بطاقة، وعدد الحسابات المصرفية النشطة أكثر من 15 مليون حساب، بحجم تحويلات سنوية عبر هذه البطاقات يفوق 6 مليارات دولار.

كما ارتفعت نسبة الشمول المالي من نحو 22% عام 2020 إلى أكثر من 45% عام 2024، مدفوعاً بإلزامية استخدام هذه الوسائل لموظفي القطاع العام.

غير أن الدكتور هذال، لفت إلى أن هذا التوسع الرقمي “لم يترجم بالكامل إلى تحسن ملموس في جودة الخدمات المصرفية أو رضا المواطنين”.

فقد رافقت التجربة جملة من الإشكالات، أهمها سوء خدمات شركات الدفع الإلكتروني، وضعف استجابة المصارف التجارية، وفرض رسوم مرتفعة وغير مبررة، مما خلق فجوة ثقة بين المواطن والجهاز المصرفي.

وأكد أن الدفع الإلكتروني أسهم فعلياً في تقليل مظاهر الفساد المالي في قطاع الرواتب، من خلال القضاء على ظاهرة “الفضائيين”، وتعزيز شفافية الإنفاق العام. لكنه لم ينجح في السيطرة على المضاربات أو تقليص الفجوة بين سعر السوق الموازي وسعر الصرف الرسمي، بسبب استغلال البعض لبطاقات الدفع في عمليات مضاربة على الدولار أو تهريب العملة.

وعلى صعيد التحول الرقمي في القطاعات الأخرى، سجل الدكتور هذال، تحسناً نسبياً في التجارة الإلكترونية وخدمات التوصيل، واعتماد بعض المؤسسات الحكومية لآليات الدفع الإلكتروني في الرسوم والجباية.

ومع ذلك، لا تزال هناك عوائق تحد من تسارع التحول الرقمي الشامل، مثل ضعف التنسيق بين المؤسسات، وتدني كفاءة البنى التحتية الرقمية، وتعدد الجهات مقدمة الخدمة دون رقابة فاعلة.

واختتم الدكتور هذال بأن تحقيق نجاح حقيقي يتطلب تحولاً استراتيجياً في السياسات المالية والمصرفية، يرتكز على تعزيز ثقة المواطن، وتحسين جودة الخدمة، وخفض الرسوم، وربط وسائل الدفع الإلكتروني بتقديم حوافز حقيقية.

كما شدد على أهمية تحفيز السيولة الراكدة في المجتمع، مشيراً إلى أن أكثر من 90% من العملة لا تزال خارج النظام المصرفي، مما يمثل فرصة ضائعة للاقتصاد الوطني.

وقال: “التجربة العراقية في الدفع الإلكتروني حققت خطوات مهمة على مستوى البنية التحتية والانتشار الكمي، لكنها لا تزال بحاجة إلى إصلاحات عميقة على مستوى الحوكمة المصرفية، وجودة الخدمة، وتكامل السياسات الرقمية، لترسيخ اقتصاد رقمي متين وشامل”.

الدفع الإلكتروني: أداة رئيسية لمكافحة الفساد وتبسيط الإجراءات

من جهته أوضح الناشط في مكافحة الفساد، سعيد ياسين، أن حوكمة الإجراءات والتعاملات المالية تُعد من التدابير الوقائية الأساسية لمكافحة الفساد والجرائم العابرة للوطنية.

وأشار إلى أن جزءاً مهماً من هذه الحوكمة يتعلق بتبسيط الإجراءات الحكومية لدفع الرسوم والجباية عبر التعاملات الإلكترونية، مما يضمن دخول الأموال إلى الخزينة العامة وعدم تعرضها للسرقة أو الاعتداء، كما كان يحدث سابقاً عند نقل الأموال النقدية أو وضعها تحت تصرف الموظف.

وأضاف ياسين، أن الجانب الآخر من هذه الإجراءات يكمن في احتواء جريمة الرشوة من خلال تبسيط إجراءات مراجعة المؤسسات العامة، واعتماد نظام حجز مواعيد مسبقة للمراجعات، ودفع الرسوم عن طريق بطاقات الدفع المسبق. وهذا يحد من استحصال أموال جبايات غير مستحقة أو تضخم الرسوم بشكل غير قانوني.

وأوضح أن عمليات المراجعة تخضع لرقابة وإحصاء دقيق من خلال إدارة موقع “أور” والمواقع ذات العلاقة، مؤكداً أن هذه التجربة أثمرت تقدماً ملموساً.

وذكر أنه شخصياً راجع عدة دوائر حكومية تابعة لوزارة الداخلية مثل الجوازات والبطاقة الوطنية والمرور وبطاقة السكن، وكلها تتم عبر نظام الحجز المسبق والدفع الإلكتروني، وهو ما شكل نقلة نوعية في مكافحة مظاهر الرشوة وتعطيل المعاملات واستغلال النفوذ التي كانت شائعة في هذه الدوائر.

وأشار ياسين إلى أن الإجراءات الحديثة تشمل أيضاً نظام البلاغات والشكاوى في مؤسسات أخرى، إضافة إلى تأسيس مركز الطوارئ الوطني برقم 911، الذي يمثل إنجازاً كبيراً في تحسين آليات التواصل والاستجابة.

وأكد أن من أهم التوصيات لتطوير هذه التجربة تخفيض العمولة التي تستحصلها الشركات المالية والمصارف على تعاملات بطاقات الدفع المسبق، وتشجيع الجمهور على اقتناء هذه البطاقات واعتمادها في التعاملات المالية اليومية.

كما شدد على أهمية التوعية المستمرة للجمهور حول كيفية استخدام هذه البطاقات، والحفاظ على سرعة المعاملات، وضمان مطابقة أموال الجباية مع الصناديق الرسمية، للحفاظ على الأموال من الاعتداء أو السرقة.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا