الهدى – متابعات ..
يواجه قطاع التعليم في العراق أزمة مزدوجة تهدد استقرار العملية التعليمية مع قرب حلول العام الدراسي الجديد.
فمن جهة، تتفاقم ظاهرة تسريب الكتب المدرسية وبيعها في الأسواق السوداء، كاشفة عن فساد مستمر يثير غضب الشارع العراقي.
ومن جهة أخرى، يلقي تأخر إقرار جداول الموازنة بظلاله السلبية على قدرة وزارة التربية على توفير المستلزمات الأساسية للطلاب، رغم تطمينات من لجنة التربية النيابية.
تسريب الكتب المدرسية: فساد منهجي يرهق الطلاب
وتسللت الكتب المدرسية، المخصصة للتوزيع المجاني، من مخازن وزارة التربية إلى الأسواق السوداء، مما يضع الطلاب وأولياء الأمور في حيرة ويجبرهم على شراء الكتب بأسعار مرتفعة.
وهذه الظاهرة أثارت موجة من الاستياء الشعبي حول كيفية خروج هذه الكتب في ظل نقص حاد تعاني منه في مدارس البلاد.
وكشفت هيئة النزاهة الاتحادية، في 28 يونيو 2025، عن ضبط موظف في مديرية تربية ذي قار اختلس حوالي 13 ألف كتاب مدرسي، وهي عملية وصفت بأنها “مخالفة للقانون” وألحقت ضرراً بالمال العام.
وهذه الحادثة ليست فريدة من نوعها، ففي أغسطس 2024، ضبطت قيادة عمليات بغداد أربعة مخازن تحتوي على كتب دراسية مسروقة شمال شرقي العاصمة.
وتعبر أم محمد، والدة أحد الطلاب، عن معاناتها قائلة: “نضطر لشراء الكتب من شارع المتنبي بأسعار مرتفعة، بينما يفترض أن تكون مجانية. أين شرف المهنة لدى هؤلاء الموظفين؟”.
ويشاركها الرأي أبو علي، معلم متقاعد، مؤكداً أن “الرواتب في العراق ليست بالسيئة، لكن الجشع يدفع البعض لاستغلال مناصبهم”.
وتشير تقارير سابقة إلى أن الفساد الإداري والمحاصصة الطائفية في وزارة التربية ساهما في تفاقم هذه الأزمة.
ويرى المحلل التربوي، حسن الجبوري، أن المشكلة تتجاوز مجرد السرقة الفردية لتصل إلى “خلل بنيوي في إدارة توزيع المناهج، يتطلب تدخلاً جذرياً من الحكومة لمعالجته”.
وتؤكد الأرقام أن أزمة نقص الكتب مستمرة منذ سنوات، حيث تأثر ملايين الطلاب بسبب هذه الظاهرة، مع ظهور الكتب الجديدة في الأسواق قبل بدء الوزارة بطباعتها في بعض الأحيان.
تأخر الموازنة يفاقم الأزمة: قلق من تأثيره على العام الدراسي
وفي سياق متصل، أكدت نائب رئيس لجنة التربية النيابية، زيتون الدليمي، أن عدم إقرار جداول الموازنة العامة أثر بشكل سلبي على جميع مفاصل الدولة العراقية، مشيرة إلى أن وزارة التربية هي إحدى أبرز المؤسسات المتضررة.
وقالت الدليمي في حديث لها، إن وزارة التربية، التي تعنى بشريحة ضخمة تبلغ نحو 20 مليون شخص (بين طالب ومعلم ومدرس وإداري)، تضررت بشكل كبير من غياب التخصيصات المالية.
وأوضحت أن هذا التأخير أوقف توفير المستلزمات الضرورية لتهيئة الظروف المناسبة للطلاب للعام الدراسي المقبل، مثل الكتب، واللوازم الدراسية، وعمليات الطباعة، وغيرها من الأمور التي تعتمد بشكل كامل على التمويل.
وشددت الدليمي على أن “إيقاف التخصيصات المالية في هذا الوقت يلقي بظلاله السلبية على وزارة التربية وعلى كل مؤسسات الدولة العراقية”، معربة عن أملها في تدخل رئيس الوزراء لتوفير تخصيصات مالية، حتى لو من موازنة الطوارئ، لدعم الوزارة وتهيئة الظروف المناسبة للطلاب.
وعلى النقيض من هذا القلق، أكد عضو لجنة التربية النيابية، طعمة اللهيبي في تصريح آخر، أن خطط وزارة التربية لن تتأثر بتأخر إقرار جداول الموازنة العامة، مشددة على وجود بدائل تضمن استمرار العملية التعليمية.
وقال: اللهيبي، إن “الموازنة أقرت لثلاث سنوات، إلا أن جداولها تعد شرطاً أساسياً يجب التصويت عليه، وفق ما اشترطه مجلس النواب”، مبيناً أن “جداول الموازنة سترسل قريباً إلى البرلمان للتصويت عليها، وفي حال تأخر وصولها فهناك حلول بديلة جاهزة”.
وأوضح اللهيبي أن “وزارة التربية تمتلك آليات عدة تتيح لها مواصلة تنفيذ خططها من دون أن تتأثر بتأخر إقرار جداول الموازنة، ومنها الاستعانة بصندوق التربية أو إصدار قرارات استثنائية من مجلس الوزراء”.
وأضاف أن “المناهج الدراسية والقرطاسية، وحتى منحة التلاميذ، لن تتأثر بهذا التأخير”، مشيراً إلى أن “وزارة التربية لديها القدرة على تأمين تلك المستلزمات من خلال خطط معدة مسبقاً، وهو ما يطمئن أولياء الأمور بشأن مستقبل أبنائهم التعليمي”.
وبين عضو لجنة التربية النيابية أن “الوقت لا يزال متاحاً لإقرار جداول الموازنة، إذ تمتد المهلة لما يقارب الشهرين”، مؤكداً أن “الموضوع لا يتعلق بفئة معينة، بل هو مرتبط بجميع شرائح الشعب، لذلك فإن الحكومة والبرلمان يتعاملان معه بأهمية بالغة”.
وأشار اللهيبي إلى أن “لجنة التربية النيابية تتابع الملف بشكل يومي لضمان عدم حدوث أي خلل في توفير الكتب أو انسيابية توزيعها بين المدارس قبل بدء العام الدراسي المقبل”.
وتبقى الأنظار متجهة نحو الإجراءات الحكومية لضمان بدء عام دراسي سلس، والتصدي لشبكات الفساد التي تستنزف موارد التعليم، وتوفير كافة المستلزمات الضرورية للطلاب العراقيين.
