إضاءات تدبریة

التَّوبَة.. بابُ أملٍ وَطريقُ إصلاحٍ (6) التَّوبةُ قرارٌ و عَمَلٌ

في نهاية سورة الفرقان المباركة التي خصصت لبيان الرسالة والوحي، والإيمان بهما، يوجز لنا ربنا  -تعالى- عدة موضوعات هامة يذكرنا بها خلال السورة حين تحدثنا عبر آيات عدة عن مميزات وصفات عِباد الرّحمن، ومنها إن المجتمع الذي تصنعه الرسالة لا خضوع لغير ولاية الله فيه، وإن هذا المجتمع تحكمه روح الاحترام المتبادل في العلاقة بين أبنائه، فلا يقتلون النفس ولا يزنون، بينما الذين يفضلون سيادة سلطة غير إلهية عليهم، ولا يحترمون النفس البشرية ويفعلون الفاحشة، سيُلقون العذاب في الدنيا والآخرة، إلاّ أن يتوبوا إلى الله ربهم.

 فعباد الرّحمن؛ {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا}. (سورة الفرقان، الآية:68-69)، بمعنى أنهم لا يخضون لسلطة مادية أخرى، إنما لله وحده، فهو صاحب السلطة المطلقة في منطقهم لا غير، و لا يقتلون النفس المحترمة  ولا يرتكبون فاحشة الزنى، وهنا جاء ذكر الزنى بعد قتل النفس لإن كلاهما يُعد قتلا للنفس، الاول قتل مادي والثاني قتل معنوي، ومن يفعل ذلك فمن الطبيعي أن يلقى جزاء عمله، فكل عمل يلحقه جزاء بقدره وعذاب بامتداده.

سبب تحول السيئات إلى حسنات أن التائب سيجعل تذكره لها، وندمه على فعلها، منطلقا للتصحيح، والمسارعة إلى معرفة أكبر، وإيمان أعمق

ومع كل ذلك فإن رحمة الله واسعة جدا، فمهما فعل الإنسان من سيئات، ومن ذنوب، حتى الكبائر كالزنا والقتل، إلا إنه سيجد باب رحمة الله –تعالى- مفتوحا على مصراعيه للتائبين والمستغفرين ــ وليس هذا فحسب؛ بل الأعظم من ذلك أن الله يحول سيئات التائبين إلى حسنات يثابون عليها، {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}. (سورة الفرقان، الآية:70).

ولعل سبب تحول السيئات إلى حسنات أن التائب سيجعل تذكره لها، وندمه على فعلها، منطلقا للتصحيح، والمسارعة إلى معرفة أكبر، وإيمان أعمق، وكلما تذكر سيئة شعر بمسؤولية محوها، وإبدالها بعمل صالح، والشقي من حُرم غفران الله بإصراره على الذنوب دون التوبة.

 إن‏ ذنوب العباد مهما كبرت وكثرت لأصغر وأقل من رحمة الله عزّ وجلّ.

جاء في حديث مروي عن الإمام الباقر، عليه السلام، في تفسير الآية: “يُؤْتَى بِالْمُؤْمِنِ الْمُذْنِبِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَامَ بِمَوْقِفِ الْحِسَابِ فَيَكُونُ اللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى حِسَابَهُ، لَا يَطَّلِعُ عَلَى حِسَابِهِ أَحَداً مِنَ النَّاسِ، فَيُعَرِّفُهُ ذُنُوبَهُ حَتَّى إِذَا أَقَرَّ بِسَيِّئَاتِهِ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْكَتَبَةِ بَدِّلُوهَا حَسَنَاتٍ وَأَظْهِرُوهَا لِلنَّاسِ فَيَقُولُ النَّاسُ حِينَئِذٍ: مَا كَانَ لِهَذَا الْعَبْدِ سَيِّئَةٌ وَاحِدَةٌ ثُمَّ يَأْمُرُ اللهُ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ”. (1)

حقا إن الأمل في رحمة الله، يجعل المؤمن يزداد لربه حبا، فيبتعد عن معاصيه، لذلك استفاضت آيات القرآن و نصوص السنة المطهرة تؤكد رضوان الله –تعالى-، والحديث التالي يعكس مدى تعطف الرب لعباده، كما يبين كيف تساهم معرفة هذه الحقيقة في إصلاح البشر.

يروى عن الإمام الرضا، عليه السلام: “قِيلَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه واله، يَا رَسُولَ الله هَلَكَ فُلَانٌ يَعْمَلُ مِنَ الذُّنُوبِ كَيْتَ وَكَيْتَ. فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله بَلْ قَدْ نَجَا وَلَا يَخْتِمُ اللهُ -تَعَالَى- عَمَلَهُ إِلَّا بِالْحُسْنَى وَسَيَمْحُو اللهُ عَنْهُ السَّيِّئَاتِ وَيُبَدِّلُهَا لَهُ حَسَنَاتٍ، إِنَّهُ كَانَ مَرَّةً يَمُرُّ فِي طَرِيقٍ عَرَضَ لَهُ مُؤْمِنٌ قَدِ انْكَشَفَ عَوْرَتُهُ وَهُوَ لَا يُشْعِرُ فَسَتَرَهَا عَلَيْهِ وَلَمْ يُخْبِرْهُ بِهَا مَخَافَةَ أَنْ يَخْجَلَ ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ الْمُؤْمِنَ عَرَفَهُ فِي مَهْوَاةٍ فَقَالَ لَهُ: أَجْزَلَ اللهُ لَكَ الثَّوَابَ وَأَكْرَمَ لَكَ الْمَآبَ، وَلَا نَاقَشَكَ الْحِسَابَ فَاسْتَجَابَ اللهُ لَهُ فِيهِ فَهَذَا الْعَبْدُ لَا يُخْتَمُ لَهُ إِلَّا بِخَيْرٍ بِدُعَاءِ ذَلِكَ الْمُؤْمِنِ فَاتَّصَلَ قَوْلُ رَسُولِ الله صلى الله عليه واله بِهَذَا الرَّجُلِ فَتَابَ وَأَنَابَ وَأَقْبَلَ إِلَى طَاعَةِ الله -عَزَّ وَجَلَّ- فَلَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ حَتَّى أُغِيرَ عَلَى سَرْحِ الْمَدِينَةِ فَوَجَّهَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله فِي أَثَرِهِمْ جَمَاعَةً ذَلِكَ الرَّجُلُ أَحَدُهُمْ فَاسْتُشْهِدَ فِيهِمْ”. (2)

هلْ مِن توبةٍ لِمَن كفَرَ بعد إيمانهِ ؟

إن الذي يكفر ببعض رسالات الله فكأنما كفر بها جميعا، والسبب في انه ينطلق في كفره بهذه الرسالة من قيمة ذاتية، أو عنصرية، أو إقليمية، أو ما أشبه، تتناقض مع قيمة التوحيد.

وفي سورة آل عمران ،تبين الآيات (86 ـــ 88 ) أن الله لا يهدي المرتدين لأنهم تعمدوا الكفر بعد الإيمان، وانه سبحانه لا يجبر أحدا على الإيمان، و أن هؤلاء ملعونون عند الله، وبعيدون عن قيمه، وملعونون عند الملائكة، فهم بعيدون عن سنن الحياة، وملعونون عند الناس ايضا، وهذه اللعنات تبدأ في الدنيا ولكنها تستمر إلى الآخرة، وتتحول هناك إلى صورة عذاب إليم، لا يخفف عنهم أبدا، ولا يمهلون لإعادة النظر في واقعهم، بسبب ارتدادهم عن الرسالة بعد العلم بها. {أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ}. (3)

بين الرحمة والتوبة

ولا يعني هذا الواقع المر الذي انتهى إليه خونة الرسالة، أن أبواب رحمة الله تعالى سدت في وجوه الذين يكفرون بالرسالة عن جهل، ثم لا يظلمون انفسهم ولا يظلمون الناس، فإن عاقبتهم قد تنتهي بخير، كلا إن رحمة الله واسعة، ولكن يجب عليهم أن يتوبوا وأن يحاولوا إصلاح ما أفسدوه بأعمالهم السابقة، مثلا السعي من أجل هداية من أضلوا من الناس، ففي الآيات اللاحقة يقسّم المرتدين إلى ثلاثة أقسام: الأول فقط تقبل توبته، أما الآخران فإنهما لن تقبل توبتهما:

لو استمر خونة الرسالة على الضلالة، وقاموا بكل فساد ممكن، حتى إذا انتشر فسادهم وخسروا كل مواقعهم، تابوا لكي يكسبوا عطف الرسالة الجديدة، هؤلاء لا تقبل توبتهم

اولاً: الذي يتوب ويصلح ما أفسده. {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، فمثلا لو تاب خونة الدين في المراحل الأولى من حياتهم، حيث تنفع التوبة في إصلاح الناس، وحيث إن الرسالة لا تزال ناشئة، وحيث تكون التوبة خالصة لله، ودليلا على تبدل حقيقي في الموقف، لو تابوا آنئذ قبلت توبتهم.

ثانياً: الذي يزداد كفرا، ولا يتوب إلا عندما يحضره الموت، فلو استمر خونة الرسالة على الضلالة، وقاموا بكل الفساد الممكن ضد الرسالة، حتى إذا انتشرت وخسروا كل مواقعهم، تابوا لكي يكسبوا عطف الرسالة الجديدة، هؤلاء لا تقبل توبتهم، لأن توبتهم ليست في الله، بل من اجل تغطية فشلهم، {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ}.

ثالثاً: الذي يموت بلا توبة.{إنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ}. (سورة آل عمران، الآية: 91)، ويشبِّه هؤلاء الذين يستمرون على الضلالة حتى يدركهم الموت، أنهم من أهل النار، ولكنهم يأملون لو أنهم يملكون ثروة الدنيا، ويدفعونها من أجل إنقاذ أنفسهم من نار جهنم، ولكن هيهات، إن هؤلاء ضيعوا على أنفسهم فرصة جيدة في الدنيا والآن لا ينفعهم الندم إنهم في الدنيا خانوا الرسالة من أجل الحصول على بعض الثروة، وبعض الأنصار، وهناك في الآخرة لا تنفعهم ثرواتهم، ولا أنصارهم شيئا.

  • بصائر مقتبسة من موسوعة “مِن هُدى القرآن” لسماحة المرجع المُدرِّسي (دام ظله).

 1- بحار الأنوار: ج 7 ص 261

2- بحار الأنوار: ج 5 ص 155

عن المؤلف

إعداد: نعمان التميمي

اترك تعليقا