الهدى – متابعات ..
في ظل تفاقم أزمة الكهرباء التي تشكل عبئًا كبيرًا على المواطن العراقي، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة صيفًا، وتزايد الاعتماد على المولدات الأهلية المكلفة والملوثة، يبرز ملف الطاقة الشمسية كحل استراتيجي واعد.
فالعراق، الذي يتمتع بأكثر من 300 يوم مشمس في السنة، يمتلك فرصة ذهبية للتحول نحو الطاقة المتجددة، وهو ما بدأ يظهر في مبادرات فردية ومشاريع حكومية طموحة.
المواطنون يلجأون للشمس: تجربة “أبو مصطفى” نموذجًا
ويُعاني المواطنون من انقطاعات التيار الكهربائي المتكررة، الأمر الذي يدفعهم للبحث عن بدائل.
أبو مصطفى، مواطن استخدم الطاقة الشمسية في محل عمله، يؤكد أن المشكلات المتكررة للمولدات الأهلية، من تأخير التشغيل، وانخفاض كفاءة الأمبير، وارتفاع الأسعار، إضافة إلى الأعطال المتكررة، دفعته لتركيب منظومة طاقة شمسية.
وقد وجد فيها فرقًا واضحًا في الاستقرار والكفاءة، مؤكدًا أنها “أفضل بكثير من الطاقة المجهزة عبر المولدات”.
وينصح أبو مصطفى المواطنين بالتوجه إلى هذا الخيار، واصفًا إياه بأنه “الحل الأمثل لانقطاع التيار الكهربائي، وبديل مضمون يوفر راحة نفسية واقتصادية”.
رؤية الخبراء: الطاقة الشمسية ضرورة استراتيجية وإدارية
ويرى الخبير الاقتصادي دريد شاكر العنزي، أن الطاقة الشمسية لم تعد ترفًا، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية دولية ضمن “حرب النفط” والسعي للتخلص من الوقود الأحفوري.
ويشير العنزي إلى أن الدول التي تحولت نحو الطاقة المتجددة حققت تقدمًا كبيرًا، بينما يفتقر العراق، شأنه شأن 60 إلى 70% من دول العالم، إلى البنية والوعي الكافيين لهذا التحول.
ويشدد العنزي، على الفوائد الاقتصادية والبيئية للطاقة الشمسية، مثل تقليل الانبعاثات الحرارية وخفض استهلاك الكهرباء وتوفير كلف الإنتاج.
ويرى أن المشكلة في العراق لا تكمن في الجانب المالي، بل في طريقة التعامل مع هذا الملف من الناحية الإدارية والتنظيمية. ويدعو العنزي الجهات المعنية، وعلى رأسها وزارة الكهرباء والمصارف الحكومية، إلى عمل ميداني منظم، مؤكدًا أن المبادرات الفردية وحدها غير كافية.
واقترح العنزي أن تطلق الحكومة مشاريع جماعية نموذجية، كأن تتوجه إلى مربع سكني وتوفر منظومات طاقة شمسية للمنازل مع سداد التكلفة لاحقًا عبر المصارف، لبناء الثقة وكسر حاجز الخوف.
كما أشار إلى وجود 20 اتفاقية دولية لم تنفذ في مجال الطاقة المتجددة، مما يكشف عن خلل إداري وتنظيمي.
وفيما يخص أصحاب المولدات الأهلية، يرى العنزي أن من حقهم الحصول على بدائل عادلة، مؤكدًا أن التحول للطاقة النظيفة يجب أن يكون هدفًا بيئيًا وصحيًا لحماية المجتمع من التلوث والأمراض.
واختتم حديثه بالقول إن ملف الطاقة الشمسية لا يتعلق بالتمويل، بل بالإدارة، وأن القطاع الخاص مستعد للدخول بشرط وجود جدوى واضحة وشراكة مستقرة مع الدولة.
دعم حكومي ومبادرات بيئية: توجه نحو مستقبل مستدام
من جانبه، أوضح الإعلامي والأكاديمي المختص في الشأن البيئي نجاح العلي، وجود توجه حكومي واضح لدعم التحول نحو الطاقة النظيفة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وذلك ضمن مساعي الحد من الانبعاثات الناتجة عن الوقود الأحفوري.
وبين العلي أن مبادرة مهمة تمثلت في اتفاق بين وزارة البيئة والبنك المركزي العراقي لتوفير مليار دولار على شكل قروض دون فوائد للمواطنين وأصحاب المشاريع (تصل إلى 100 مليون دينار) لدعم تركيب منظومات طاقة شمسية مستوردة بمعايير عالمية.
وأشار إلى توجه رسمي نحو تشغيل جميع الأبنية الحكومية بالطاقة الشمسية، مؤكدًا أن التوسع في استخدامها سيقلل الضغط على المولدات الحكومية والأهلية الملوثة.
وشدد العلي على العلاقة العكسية بين استخدام الطاقة المتجددة وتلوث الهواء، مؤكدًا أن زيادة الاعتماد على الشمس سيحسن الصحة العامة والبيئة.
ورغم أن انخفاض تعريفة الكهرباء وتوفر الوقود المدعوم لا يشجعان على التحول السريع، إلا أن العلي لفت إلى أن الكلفة تنخفض على المدى المتوسط والبعيد، مما يجعل الاستثمار مجديًا.
وختم بالتأكيد على دعم وزارات البيئة والكهرباء والصناعة والمعادن والإعمار والإسكان والبلديات وهيئة الاستثمار للتوسع في الطاقة الشمسية، ونقل تقنياتها عبر التصنيع والتجميع المحلي، وإنشاء مجمعات سكنية حديثة تعمل بالطاقة الشمسية.
خطط وزارة الكهرباء: 12 ألف ميغاواط من الشمس بحلول 2030
وتخطط وزارة الكهرباء لإنتاج نحو 12 ألف ميغاواط من الطاقة الشمسية بحلول عام 2030، وذلك ضمن خطة وطنية طموحة لتنويع مصادر الطاقة.
وقد كشف المتحدث الرسمي باسم الوزارة، أحمد موسى، عن إبرام عقود فعلية مع شركات عالمية كبرى، بالإضافة إلى استمرار المفاوضات لتوقيع المزيد من المشاريع الاستراتيجية.
وتتضمن المشاريع المبرمة عقدًا مع شركة “توتال” الفرنسية لإنشاء محطة بطاقة 1000 ميغاواط في البصرة، ومشروعًا مع تحالف “البلاد“ لإنشاء محطتين شمسيتين في كربلاء بقدرة 300 ميغاواط وبابل بقدرة 225 ميغاواط.
كما تم التوصل إلى اتفاق مع شركة “باورجاينا” الصينية لإنشاء محطة بقدرة 750 ميغاواط في صحراء السماوة.
هذا بالإضافة إلى تفاهمات متقدمة مع شركتي “مصدر” الإماراتية و”أكواباور” السعودية لإنشاء محطات شمسية في محافظات عدة.
وأشار موسى إلى أن الوزارة واجهت في السابق معوقات تمويلية بسبب إجراءات الغلق المالي وارتفاع الفوائد على القروض الدولية. ومع ذلك، فقد عقدت الحكومة اجتماعات مكثفة مع صندوق النقد الدولي والبنك المركزي العراقي لتسهيل هذه الإجراءات وخلق بيئة استثمارية أكثر جاذبية.
وأوضح موسى أن هناك ثلاثة محاور رئيسية للتحول نحو الطاقة النظيفة. أولاً، يتمثل في إنشاء محطات طاقة شمسية كبرى بالتعاون مع شركات استثمارية دولية.
وثانياً، يشمل تحويل 534 مبنى حكوميًا إلى منظومات تعمل بالطاقة الشمسية، وقد بدأ تنفيذ ذلك بالقصر الحكومي ويستمر تدريجياً ليشمل الوزارات والمدارس والمراكز الصحية.
والثالث، يتمثل في توفير قروض ميسّرة للمواطنين لشراء منظومات الطاقة الشمسية، وذلك من خلال مبادرة أطلقها البنك المركزي بفائدة منخفضة تصل إلى 2.5%، وبفترات سداد تمتد حتى 8 سنوات، مع وجود دراسة لإلغاء الفوائد بالكامل.
