أثرى سماحة السيد هادي المدرسي المكتبة الثقافية بباقة من المؤلفات الخاصة ببناء الشخصية، وهو المنحى النفسي المهجور –الى حد ما- عند الباحثين والمفكرين الإسلاميين، مما دفع بالقارئ، ولاسيما شريحة الشباب في الوقت الحاضر لأن يلجأ الى المؤلفات المترجمة بحثاً عما يحاكي همومه ويتفهّم ظروفه وتطلعاته، فكانت النتيجة المؤسفة؛ الاعتماد على أفكار “التنمية البشرية” لبناء، ليس الشخصية فقط، وإنما بناء الذهنية والعقلية بشكل عام، على أسس بعيدة عن المتبنيات العقدية والفكرية لدينا.
وقد فطن سماحة السيد هادي المدرسي مبكراً منذ تسعينات القرن الماضي، فبدأ بالبحث في عوامل النجاح، وأسباب الفشل، ثم راح يبدع في صياغة جديدة للعلاقة بين الفرد والجماعة، بدءاً بالأسرة والأصدقاء، الى المحيط الاجتماعي الكبير.
القوة للفرد وللجماعة
في هذا المؤلف الجديد، وكما عودنا سماحة السيد المدرسي؛ توثيق الصلة بين الحياة الفردية والحياة الجماعية، فهو لم يفصل يوماً بين الاثنين، وأكد أكثر من مرة أن “سعادتك من سعادة الآخرين”، حتى فيما يتعلق بقوة الشخصية التي يفترض انها همّ فردي قبل ان يكون جماعياً، وأكد هذه المسألة ثانية في مؤلفه الجديد هذا بأن “هذا الكتاب يسعى الى تقديم نصائح عملية يمكنك بها أن تكسب شخصية قوية، وتسترشد بها في البيت، والسوق، وداخل التجمعات، ومراكز العمل”.
ومن أجل هذا قسّم سماحته مؤلفه الى ثلاثة فصول: الأول؛ سلط فيه الضوء على الخطوات اللازمة لتحقيق قوة الشخصية من داخل الذات، فكانت البداية من: “من أنت”؟! و”كن ذاتك”، و”استجمع طاقتك وركزها في عملك”، و”كُن جازماً من غير عنف”، و”اختلِ بنفسك”، و”كُن وقوراً و اهتم بمظهرك”، وخطوات أخرى في هذا المسار.
بينما في الفصل الثاني فان سماحة السيد المؤلف يسلط الضوء فيه على آثار الشخصية القوية على الآخرين، وكيف يجب ان تكون؟ فيسلط الضوء على خطوات مثل: “تعلّم فن المجاملة”، و”تعلّم كيف تشكر الناس”، و”استخدم سلاح الإصغاء”، و”أعرض عن الجاهلين”، وعناوين أخرى.
أما الفصل الثالث فقد سلط الضوء فيه على “معوقات الشخصية القوية”، او ما يحول دون تحقيق هذا الهدف المنشود، مثل؛ الاخلاق السيئة، والغضب.
“اعتمدتُ في هذا الامر –بناء الشخصية القوية- على ما جاء في كتاب الله –تعالى- وتعاليم النبي الأكرم، وأهل بيته الكرام، صلوات الله عليهم”، و جاء ابداعه في الطرح بأن يجعل سوء الخلق والغضب من معوقات عملية بناء الشخصية القوية
في بحوث كهذه، يندرج الحديث عن الحالة النفسية ضمن السياق الملموس والمحسوس من المشاعر والانفعالات والعواطف، و يؤجل الحديث عن دور الجانب الروحي والمعنوي الى مقام آخر، وسماحة السيد المدرسي لا تغيب عنه هذه الحقيقة البتة، فهو العالم الرباني، والمربي في ضوء القرآن الكريم وسيرة أهل بيت رسول الله، صلوات الله عليهم، علماً أنه في هذا المؤلف أشار الى انه “اعتمدتُ في هذا الامر –بناء الشخصية القوية- على ما جاء في كتاب الله –تعالى- وتعاليم النبي الأكرم، وأهل بيته الكرام، صلوات الله عليهم”، و جاء ابداعه في الطرح بأن يجعل سوء الخلق والغضب من معوقات عملية بناء الشخصية القوية، وهو عين الصواب، فهو لم يكرر النصائح بتحكيم حُسن الخلق وصفات روحية خاصة مثل؛ التقوى، والورع، والزهد، والتي لها مدخلية كبيرة في بناء الشخصية القوية، كما هي التجارب الكثيرة.
إن الأخلاق والغضب من القوى والقدرات الموهوبة في داخل الانسان، فاذا أحسن صاحبها ادارتها كان مجتازاً خطوات متقدمة نحو بناء الشخصية القوية، فسماحة السيد يتحدث مثلاً؛ الغرور، والطمع، والشراهة، والحسد، والكسل، وغيرها من الصفات الذميمة المعوقة لبناء الشخصية القوية، لأن الحالة السلبية هي التي تعكّر الجو، مثل الدخان الأسود في البيت يكسي الجدران سواداً، كذا الحال بالنسبة للغضب، هذه القوة النفسية الكبيرة داخل الانسان، ويرسم لها السيد المؤلف طريقان قبل الحديث عن دورها: “غضب من أجل المبدأ، وغضب من أجل المصلحة”، فالأول؛ ممدوح ومطلوب في ثقافتنا، فالغضب لله -تعالى- من صفات الانبياء والأولياء الصالحين، بينما الغضب من أجل المصلحة الشخصية يعمل العكس تماماً؛ فانه يجلب سخط الله -تعالى- عندما يحول صاحبه وحشٍ ضار في لحظة خاطفة، ويستشهد سماحته بالحديث الشريف: “الغضب مفتاح كل شرّ”، و”الغضب يثير كوامن الحقد”، ويؤكد سماحته على أن الغضب “يؤدي الى تمزيق شخصية صاحبه من الداخل، كما يؤدي الى إفشال أعماله وعلاقاته الخارجية”.
هذا المؤلف الرائع والجديد من 192 صفحة من القطع المتوسط، إصدار دار البصائر للطباعة والنشر التي طبعت الكتاب للمرة الثالثة عام 2024، وهو متوفر في مراكز البيع المباشر للدار في مدينتي كربلاء المقدسة، شارع قبلة الأمام الحسين، عليه السلام، كما يتوفر في مدينة قم المقدسة عن طريق دار طريق الهدى للطباعة والنشر والتوزيع.
