هناك من الناس من يفكر بأنه حُر القرار، وحُر الالتزام، مزاجي في ما يتعلق بكبريات الأمور والوقوف بجبهة الحق، لا يحب أن يُنسب إلى جبهة، فلا يحب أن يقول له أحد انت في جبهة الباطل كونك تفكر تفكير أهل الباطل، وكذلك لا يحب أن تقول له انت من اهل الحق لان هواه لا يتوافق مع طريقة جبهة الحق، وينتقل خارج الصورة إلى إطار مناسب على مقاسه.
ويشير إلى هؤلاء أمير المؤمنين، عليه السلام، في إحدى خطبه: “فيا عجباً والله يميت القلب ويجلب الهم، من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم فقبحا لكم وترحا “.
في هذا الوضع الذي نعيشه الآن، وفي ظل هذه الأحداث، يعطي البعض الحق للعدو الصهيوني، ومن يقف معه من الأنظمة والمحتلين الذين اجتمعوا كلهم، على اختلاف أعراقهم وجغرافيّاتهم، في جبهة واحدة: جبهة الباطل، جبهة العدوان، جبهة سفك دماء أطفال غزة ولبنان، ونهب ثروات الأمة، واستعمارها وإذلالها.
في عملية تمايز الصفوف يخرج البعض من كلا الجبهتين، ويبحث له عن إطارٍ مريحٍ يناسبه، مرة باسم “الوطنية”، فيقول: أنا لا يعنيني إلا وطني، ومرة باسم “القومية”: فأنا عربي، ولا علاقة لي بغير العرب.
ففي عملية تمايز الصفوف يخرج هذا البعض من كلا الجبهتين، ويبحث له عن إطارٍ مريحٍ يناسبه، مرة باسم “الوطنية”، فيقول: أنا لا يعنيني إلا وطني، ومرة باسم “القومية”: فأنا عربي، ولا علاقة لي بغير العرب. وأحيانًا لا يتبنى أي إطار، ويترك نفسه في حالة فراغ فكري ووجداني، ونحن نعيش في زمن يتجسد فيه الباطل بأوضح صوره، على شكل تكتل استعماري، وسياسي، وثقافي، وإعلامي يسعى لمسخ هوية الأمة، ولإبادة شعوبها، وسرقة مقدراتها. وكل ذلك لا يثير في “الحيادي” شيء، فهذا يعد أخطر ما يكون، وهو سالب بانتفاء الموضوع، فإذا ركبت الوطنية أو القومية في ظل هذا الصراع القائم ستكون صورة مشوهة، فالمقابل ذوّب هذه الفوارق ليحاربك وانت تتمسك بها لتفترق عن الصف.
بينما على العكس ترى من تمسك بالحق وبموقفه الرسالي الثابت الذي ذوّب هذه الفوارق، وقد يضحي من ماله ووقته وجهده، ويحس بأنه يدافع عن الأمة بأكملها وليس عن قضية شخصية وفي هذا يخبر القرآن: {إنَّ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لِمَنْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}.
لكن السؤال الجوهري هنا:
لو سلمنا جدلا بانك تعد هذه الأطر إطارًا كافيًا لموقفك، فلماذا ولا تعد “الإسلام” إطارا! فلماذا لا تقول بكل وضوح: “أنا مسلم، وأدافع عن قضايا أمة الإسلام؟
إلا أن هذا الموقف -ببساطة- يحمّل الشخص مسؤولية كبرى، أن يقول الحق، وأن يناصر المظلوم، وأن يقف ضد الباطل، وأن يكون جزءًا من مشروع مقاومة، وهو ما لا يريد فعله.
نقول اخيراً:
من لا ينظر إلى العالم بمنظار إسلامي، ومن منظار يُحمله مسؤولية المقاومة والحق والمقاطعة، فان سيُنظر –بالضرورة- إليه بإطار غربي، مُصمَم على مقاسه ينقله متى ما شاء إلى منطقة الراحة.
“فقبحاً لهم وترحا”، يقول عنهم أمير المؤمنين، عليه السلام.
