فکر و تنمیة

الشباب وظاهرة الانبهار التكنولوجي

الثورة التكنولوجية جذورها غربية كما هو معروف، ولا يستطيع أحد سواء كان عدوّا أو صديقا، أن ينكر على الغرب هذه الميزة التي تعد ركنا أساسيا من أركان الحضارة الغربية، ولكن مع كل الإنجازات التكنولوجية، هناك عيوب خطيرة رافقت هذه الثورة وتمخضّت عنها أيضا، وفي هذا المقال لسنا في وارد إظهار العيوب التي اقترنت بالتوسع التكنولوجي الصناعي الهائل، وإنما هناك خطر يحدق بشبابنا تمت هندسته بعقول متخصصة تعمل لحساب شركات صناعية.

فحتى تعزز هذه الشركات أرباحها المادية وتضاعفها، لجأت إلى أساليب تسويقية فيها الكثير من عمليات الخداع من أجل البيع الأكثر، ومن بين هذه الأساليب؛  “صناعة الانبهار التكنولوجي” خصوصا عند الشباب، لدرجة أن حالات التنافس على مستوى الثراء العالمي باتت واضحة للعيان، فكما هو معروف أن عالم اليوم قائم على الأرباح الكبيرة وجمعها لدرجة أن الثراء بات فاحشا في عموم العالم، وهذا ليس معيبا، لكن المعيب فيه عندما يكون هذا الثراء غير عادل، بمعنى ليس أمرا صحيحا ولا مقبولا أن تتكدس ثروات الأرض والشعوب عند أفراد قلائل.

وكلنا نعرف المدعو ماسك، فهو مواطن أمريكي فاقت ثروته الـ مئتي 200 مليار دولارا، وهناك من يتنافس معه ويقترب من هذا السقف المالي الهائل، في حين هناك أمم وشعوب كاملة تعاني من شظف العيش، وتضربها المجاعات الموسمية بحيث أن المنظمات الإغاثية عجزت عن ردم الهوة الواسعة بين المرفَّهين والجائعين، ومع كل هذا لا يزال العالم يعيش الأخطاء نفسها بل ويكرّسها، حيث السعي المستمر لصنع الأساليب الترويجية التكنولوجية، و هو في حالة ازدياد، حيث أوجد أصحاب الشركات والثروات أسلوب الانبهار التكنولوجي وتم توجيهه إلى الجميع مع تركيز أكبر على شريحة الشباب، والمقصود بصنع حالة الانبهار، أن تُضفي الشركات على منتوجاتها شيئا من الغرابة الصارخة التي تجتذب الشباب، وتحرك فيهم نوازع الرغبة الهائلة في الاقتناء.

فتتحرك فيهم غرائز يصعب السيطرة عليها في مرحلة الشباب، ويقبلون على الشراء بشراهة عالية بغض النظر عن كيفية جلب النقود لإتمام عمليات الشراء، وهذا يعني أن بعض الشباب لا يتورع عن كسب الأموال بطرق غير مشروعة كالاختلاس والسطو والسرقة، فالمهم عند الشاب أنه يستطيع شراء هذه السلعة التي بهرته وأصابته بنوع من الرغبة التي لا يمكن صدّها أو الإقلاع عنها.

المقصود بصنع حالة الانبهار، أن تُضفي الشركات على منتوجاتها شيئا من الغرابة الصارخة التي تجتذب الشباب، وتحرك فيهم نوازع الرغبة الهائلة في الاقتناء

لهذا نلاحظ الاهتمام الكبير في صناعة “الانبهار التكنولوجي” عند المتبضعين، وخصوصا الشباب منهم، وهذا أسلوب يجب ملاحظته، والتنبّه له جيدا، وخصوصا من قبل الشباب، فالغاية الأولى والأخيرة لهذه الشركات، واصحابها وهم من الأفراد الأثرياء، أن تتكدس المليارات في خزائنهم، وأن يكونوا في مقدمة الأغنياء، ولذلك فكّروا في أسلوب صناعة الإبهار عند المشترين، وفي مقدمتهم الشباب باعتبارهم أكثر حماسة بالحياة من غيرهم.

ولغرض التعامل الصحيح مع هذه الظاهرة التي رافقت معظم الصناعات، كأجهزة الموبايل، والملابس ذات الاشكال الغريبة، وخدمات الترفيه التكنولوجي المختلفة، حتى المطاعم والأكلات باتت تتقمص أدوار الخداع التذوّقي والشكلي، بحيث يتم تقديم أطباق الطعام بأسلوب “الانبهار الصناعي”، فيجد الزبون نوعا من الأطعمة تحرك في أعماقه غريزة الأكل أو الجوع، فيشتري بدلا من الوجبة الواحدة اثنتين أو ثلاثا أو أكثر، وهذا هو المطلوب بالنسبة للشركات المصنعة.

حتى الموبايلات لا يكتفي الشاب بجهاز واحد حتى لو كان غالي الثمن ومتعدد المواصفات والتطبيقات، وقسْ على ذلك في قضية الاقتناء المفتوح، حيث الإقبال على الشراء في رغبة هستيرية لا تمنح الشاب فرصة التفكير أو الاختيار، بسبب حالة الغربة أو الصدمة التي يعيشها الشاب إزاء هذه السلعة أو تلك.

 فحتى يتم التعامل الصحيح مع هذه الظاهرة، نحتاج إلى:

  • أن يكون الشاب ذكيا في اختيار السلعة.
  • أن تكون عنده حاجة فعلية لهذه السلعة التي يقتنيها.
  • أن لا ينخدع ببهرجة العرض، وبالأشكال العجائبية للسلع.
  • أن يبحث الشاب عن مصادر هذه السلع، كي يكتشف أن من يقف وراء ترويجها، أكثر الأشخاص ثراء في العالم، فهل يصحّ أن تزيد من ثروته أكثر وأكثر؟
  • أن يتحلى الشباب بثقافة الاقتناء، وعدم الانسياق وراء الموضة، وأن تكون هناك ثقافة اقتصادية تحمي الشاب من ظاهرة الانبهار التكنولوجي.

بهذه الطريقة يستطيع شبابنا، وكل الفئات العمرية، أن يختاروا السلع التي يحتاجونها بالفعل، وأن يحترسوا من أساليب الإبهار في العرض والتصميم وصناعة الأشكال والمحتويات الغريبة للسلع، فالمهم أن لا ينخدع الشاب، وأن لا يسمح لأساليب البهرجة والعرض الكاذب أن تتغلب عليه، وعلى ذوقه، وعلى حاجته الفعلية لهذه السلعة أو تلك.

عن المؤلف

حسين علي حسين/ ماجستير إدارة أعمال

اترك تعليقا