أدب

عبق الغدير يضوع من قرائح الشعراء

يُعد يوم الغدير، عيد الله الأكبر، فقد حدث فيه أمر بالغ الأهمية في قلوب المؤمنين، فهو يوم إكمال الدين وإتمام النعمة بولاية أمير المؤمنين، عليه السلام، إذ بلّغ النبي محمد، صلى الله عليه وآله وسلّم، أمر الله بتنصيب الإمام، عليه السلام، ولياً وخليفة للمسلمين.

ولأهمية الموضوع بأحقية الإمام الهمام في قيادة المسلمين وانتشالهم الدائم من الظلام والضلالة، الى حياة كريمة وسعيدة في الدنيا والآخرة، بالحفاظ على القيم والمبادئ السامية التي جاء بها الإسلام، كان لابد من انتشاره وخلوده، وبما أن الشعر كان وما يزال له دور كبير، وهو الوسيلة الرئيسة في الانتشار والتأثير عبر العصور، دوّن العديد من الشعراء تلك الحادثة الخالدة منذ البدء، وحتى عصرنا الحالي، إيماناً منهم بالقضية، و ولاءً وحبّاً للوصي المُنصّب من قبل الله -عز وجل-إنه أمير العدل والمحبة.

فلنشمْ ذلك العَبَق الغديري من قريحة أول الشعراء الذين كتبوا عن يوم الغدير وهو الشاعر حسان بن ثابت، فهو القائل في أبيات من قصيدته:

فقالَ له: قُمْ يا عليُ فإنني
رضيتك من بعدي إماما وهاديا
فمن كنتُ مولاه فهذا وليّه
فكونوا له أتباع صدق مواليا
هناك دعا اللهم: والِ وليه
وكـنْ للذي عادى عليّا معاديا

هنا يدوّن الشاعر ذلك التبليغ الواضح والصادح لرسول الله، صلى الله عليه وآله قوسلم، إذ جاء من قبل الوحي لتعيين وصيّه وخليفته أمام الجموع الغفيرة ويدعو له ولمن والاه بالنصر والعناية الالهية ولمن عاداه بالخيبة والخذلان.

ومن الشعراء الذين كتبوا في ذات الموضوع هو الشاعر ابن الرومي، حيث مدَح الإمام بما يستحق، فهو صاحب المكانة والمنزلة العالية التي حباها الله له، عليه السلام:
ومحله من كل فضل بيّنٍ

عالٍ محل الشمسِ أو بدر الدُجى
قـال النبي له مـقالاً لم يكن

يوم الغـدير لسامعيه مُمجمجا
من كنت مـولاه فذا مولى له
مـثلي فأصبح بالفخار متوّجا


فيضعه محل الشمس والقمر ويصف قول النبي بالصدق والاستقامة والقصدية التي يُراد منها التبليغ بوضوح و حزم، وفي النتيجة؛ أن الله هو عاصم رسوله من الناس، وأضحى الأمام علي، عليه السلام متوجاً باستحقاق.

وفي أبيات لقصيدة شاعر أهل البيت، عليهم السلام، الشاعر الكميت الاسدي، يبين فيها المنزلة العظيمة للإمام عند رب العزة والجلالة، وإثبات إمامته وخلافته فيقول:

لدى الرحمن يصدع بالمثاني

وكان له أبو حسن مطيعا

حَطوطاً في مسرته ومولى

الى مرضاة خالقه سريعا

وأصفاه النبي على اختيار

بما أعيى الرفوض له المذيعا

ويوم الدوح دوح غدير خمّ

أبان له الولاية لو أطيعا

وللشاعر ابو فراس الحمداني استغرابه الذي يبرز فيه منزلة الامام، عليه السلام، ويدعو الذين لم يرُق لهم هذا التنصيب لأسباب عدة أن يتأملوا ويراجعوا حساباتهم  قائلاً:
أتراهـــــم لم يسمعوا مــــا خصّهُ
منه النبي من المقال أباهُ؟
إذ قالَ يومَ (غدير خمّ) معلناً:
من كنت مولاه فذا مولاهُ
هذي وصيتهُ إليه فافهموا
يا من يقولُ بأنَّ ما أوصاهُ
قروا من القرآن ما في فضله
وتأملوه وافهموا فحواهُ

 وهكذا يستمر بدعوتهم لقراءة القرآن الكريم ويتأملوه ويفهموا معانيه التي تسطع في بيان حق الأمير علي، عليه السلام، وشأنه من خلال ذكر مناقبه في الكثير من الآيات التي نزلت بحقه.

وينطلق الشاعر الدكتور مصطفى جمال الدين ببعض أبياته مخاطباً، ومتسائلاً جمهور المسلمين: كيف يظمأ من يجري فيه الغدير؟ فيقول:
ظمئ الشعرُ أم جفاكَ الشعورُ
كيفَ يظمأ من فيه يجري الغديرُ؟
كيفَ تعنو للجدبِ أغراسُ فكرٍ
لعلي بها تمُت الجذورُ؟
نبتتْ -بين (نهجه) و ربيعٍ
من بنيه غمر العطاء- البذورُ
وسقاها نبعُ النبي وهل بعـ
د نميرِ القرآنِ يحلو نميرُ؟
فزهتْ واحـــــــــــةٌ و رقّتْ غصونٌ
ونما برعمٌ ونمتْ عطـورُ

هكذا ينطلق الشاعر جاعلاً الغدير يجري في النفوس والعقول، وأن فكر علي دائم العطاء والنماء، لأن الساقي والباذر هو النبي الأعظم صلى الله عليه وآله.
وفي رهبة الشعور بالتقصير يرجف قلب الشاعر؛ غني الحسناوي، ويرعد ويجف ريقه أمام الليث الهصور فهو العاجز والقاصر في الوصول الى معناه، ففي قصيدته؛ (انت الوصي):

ريقي يجف وهزة تنتابني

والقلب في جوفي يعجّ ويرعدُ

عفواً إمامي إذ ذكرتك مادحاً

من ذا أكون وأنت عزٌّ أمجدُ

أعطاك ربُّ الكون أشرف منزلٍ

إذ صرت هاروناً لأحمد يرفدُ

ثم يستمر في وصف مكانة ومنزلة الإمام عليه السلام قائلاً:

أنت الوصي لدين أحمد هادياً

أكرم بيوم غديرنا إذ يشهدُ

بترت صلاة لا تجيء بذكرها

فيك الشفاعة والخلاص محدّدُ

فالصلاة مبتورة بلا ذكر أهل البيت، عليهم السلام، وهو الشفيع يوم القيامة، وبه الخلاص والنجاة،

فهو قسيم الجنة والنار.

وللشاعر اسماعيل الوائلي -رحمه الله-  تساؤلاته التي مغزاها تعظيم شأن الإمام علي، وإظهار منزلته في مواضع شتى منها:

من قال طه هو الأيمان أجمعه

للكفر ندّ وللتوحيد آمينِ؟

من قال فيه رسول الله خير أخٍ

من الوصي ومن أوصى لهارونِ؟

من الذي آية التطهير سيدها

من الذي حبه فرض يسليني؟

من الذي آية التبليغ كان لها

من توّج الله؟ من مولى لدارينِ؟

من…. و من… والمناقب والفضائل لا تحصى من العلم والبلاغة والشجاعة والعدالة والزهد في الحياة، فقد طلقها ثلاثا بكل ما فيها، وهو نفس الرسول، لذلك كان الأنقى والأوفى والأجدر بالمسؤولية والعطاء؛ تتحلى الخلافة بسطوعه وكفاءته ومنزلته العظيمة عند الله ورسوله الأمين.

عن المؤلف

كفاح وتوت

اترك تعليقا