الأخبار

أهوار العراق تواجه كارثة بيئية: جهود حكومية ودعوات دولية لإنقاذ “جنة عدن” المهددة

الهدى – متابعات ..

تتفاقم الأزمة البيئية في الأهوار العراقية، المدرجة ضمن قائمة التراث العالمي، لتصل إلى مستويات غير مسبوقة تهدد بفقدان هذا الموروث الثقافي والطبيعي الفريد.

ففي ظل تراجع حاد في مناسيب المياه وتزايد الجفاف، تتضاعف المخاوف بشأن مصير التنوع الأحيائي، الثروة السمكية، وحتى نمط حياة سكان الأهوار الأصليين.

جهود مركز إنعاش الأهوار للحفاظ على السكان

ووضع مركز إنعاش الأهوار والأراضي الرطبة التابع لوزارة الموارد المائية خطة طموحة للحفاظ على بقاء سكان الأهوار الأصليين في مناطقهم.

وأوضحت مسؤولة شعبة شؤون المواطنين في المركز، نسرين أحمد مصطفى، أن الوزارة سعت منذ تأسيس المركز عام 2004 إلى إعادة إحياء الأهوار، وتمكنت في حينه من إعادة 70% من مياهها.

وعلى الرغم من التحديات الجسيمة التي فرضتها قلة الواردات المائية وتأثيرات التغير المناخي، أكدت مصطفى أن المركز يبذل قصارى جهده لتوفير الحد الأقصى من المياه لضمان استقرار السكان.

وقد شملت الخطة تعميق وتوسيع مغذيات الأهوار عبر الكري المستمر والتنظيف، ما يضمن حركة الزوارق واستمرارية الأنشطة الاقتصادية الأساسية كصيد الأسماك.

وأشارت مصطفى إلى أن هذه الجهود ساهمت بشكل كبير في الحد من هجرة السكان، وجذبت وفودًا سياحية من مختلف الجنسيات، لا سيما إلى أهوار الجبايش خلال الأشهر الأخيرة.

أزمة تتجاوز الحدود: خسائر بشرية وبيئية

ويُشير رئيس تجمع “طبيعة العراق” (غير حكومي)، جاسم الأسدي، إلى أن الأهوار العراقية تواجه واحدة من أخطر الأزمات البيئية في تاريخها، بعد تسع سنوات فقط من إدراجها محمية طبيعية ضمن لائحة التراث العالمي.

وقد أدت هذه الأزمة إلى خسائر فادحة، تمثلت في تراجع قطعان الجاموس بنسبة 40%، وفقدان أكثر من 95% من الثروة السمكية، ما يهدد بانهيار النسيج الاقتصادي والاجتماعي ودفع آلاف السكان إلى الهجرة.

وفي تعبير عن إحباطهم الشديد من الوضع الراهن وغياب الحلول الحكومية، أقدم عدد من سكان الأهوار مؤخرًا على إحراق منازلهم ومضايفهم، احتجاجًا على ما وصفوه بـ “سرقة الماء”، وتعبيرًا عن خوفهم من فقدان نمط حياة يعود لآلاف السنين ويعتمد بشكل كلي على الماء والقصب والأسماك.

ويرى الأسدي أن هذا الاحتجاج ليس عابرًا، بل هو إعلان عن غضب وحزن عميقين نتيجة الإهمال الذي يهدد بانقراض نمط حياة فريد استمر لقرون.

تحديات بيئية وصحية متعددة

ولا تقتصر أزمة الأهوار على نقص المياه والجفاف، بل تتفاقم بسبب التلوث البيئي الحاد، حيث يلفت الأسدي إلى تصريف أكثر من 40 محطة صرف صحي لمياهها في الأهوار، ما يؤدي إلى انتشار الأمراض وتدهور جودة المياه، ويؤثر سلبًا على البيئة والكائنات الحية.

كما أن مساحة الأهوار تقلصت إلى نحو عشرة آلاف كيلومتر مربع بعد أن كانت تتجاوز 20 ألف كيلومتر مربع، وهي بحاجة ماسة إلى 5.4 مليارات متر مكعب من المياه سنويًا لاستعادة توازنها البيئي.

مفاوضات دولية وحلول استراتيجية

من جانبه، يؤكد مدير عام مركز إنعاش الأهوار والأراضي الرطبة، حسين الكناني، استمرار جهود وزارة الموارد المائية لمعالجة تداعيات الجفاف عبر تنفيذ مشاريع استراتيجية لتحسين إدارة المياه وزيادة كفاءة توزيعها.

كما كشف عن مفاوضات جارية بين العراق ودول الجوار، خاصة تركيا وإيران، بهدف تحسين واقع المياه وزيادة الإطلاقات المائية، مشددًا على أهمية هذه الخطوات لضمان استدامة الأهوار.

وتشمل الحلول الداخلية تبطين القنوات، وتنظيف الجداول والأنهار من الترسبات، وتحسين التحكم بالإطلاقات المائية، مع إعطاء الأولوية لتأمين الاحتياجات الأساسية لسكان الأهوار.

سوء إدارة وتأثيرات المناخ تفاقم الأزمة

بدوره، يؤكد خبير المياه العراقي، تحسين الموسوي، أن جفاف الأهوار وتدهور الثروة السمكية فيها يرتبطان بشكل مباشر بتراجع المخزون المائي، مشددًا على الدور المحوري للأهوار في التوازن البيئي وتنظيم درجات الحرارة.

ويُرجع الموسوي الأسباب الداخلية للأزمة إلى سوء إدارة سياسة الموارد المائية في البلاد، بينما يتمثل الشق الخارجي في سياسات دول الجوار المائية، يضاف إلى ذلك التأثيرات السلبية لتغير المناخ.

ويوضح الموسوي أن المخزون الاستراتيجي العراقي من المياه لا يتعدى 11 مليار متر مكعب، وهو رقم خطير بالنظر إلى الطلب المتزايد وتراجع الموارد.

وهذا الوضع ينذر بكارثة بيئية وأزمات زراعية خانقة تهدد الأمن الغذائي، ما يتطلب تحركًا حقيقيًا قد يشمل التوجه نحو المجتمع الدولي أو المحاكم الدولية للمطالبة بحصة العراق المائية لإنقاذ البلاد من كارثة وشيكة.

وفي ظل هذه التحديات، تبقى الدعوات متزايدة لتبني حلول عاجلة وشاملة لإنقاذ الأهوار العراقية، ليس فقط كإرث بيئي عالمي، بل كضمان للأمن البيئي والغذائي الوطني، وللحفاظ على نمط حياة فريد يوشك أن يصبح ذكرى من الماضي.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا