الأخبار

تحديات حظر الاستيراد: المنتجات الأجنبية تغزو الأسواق العراقية رغم القرارات الحكومية

الهدى – متابعات ..

على الرغم من القرارات الحكومية الصارمة بمنع استيراد العديد من المنتجات الزراعية والغذائية، لا تزال الأسواق الشعبية في بغداد تعج بالسلع الممنوعة، مما يثير تساؤلات حول فعالية هذه الإجراءات وتأثيرها على الاقتصاد الوطني. يأتي هذا الحظر، الذي أقره المجلس الوزاري للاقتصاد، بهدف دعم المنتج المحلي وتنظيم السوق وتحقيق الأمن الغذائي، خاصة بعد وفرة محاصيل مثل الطماطم والشمر والرقي والبطيخ والباذنجان محليًا.

لماذا يفضل المستهلكون المنتجات المستوردة؟

وترى المواطنة أم حسن أن الأسعار المنخفضة وتوفر المنتجات المستوردة على مدار العام يجعلانها الخيار الأول بالنسبة لها، حتى مع وجود بدائل محلية. هذا التوجه من قبل المستهلكين يشكل تحديًا كبيرًا أمام جهود الحكومة لدعم الإنتاج المحلي.

مطالب المزارعين وتبريرات التجار

من جانبه، طالب المزارع رحيم داوود بتشديد الرقابة على الأسواق الشعبية ومحاسبة التجار المروجين للبضائع المستوردة، مؤكدًا أن استمرار تدفق المنتجات الأجنبية يهدد مصدر رزقه ويضعف الاعتماد على المنتج الوطني.

وعلى النقيض، يبرر تاجر الخضراوات والفاكهة رسول حميد، استيراد المنتجات بالحصول على أسعار تنافسية وتكاليف أقل مقارنة بالمنتجات المحلية، بالإضافة إلى توفير أصناف غير متوفرة محليًا وتنوع مصادر التوريد.

في المقابل، يؤكد التاجر رعد قيس دعمه الكامل للمنتجات المحلية، معتمدًا في توريد بضائعه على المزارع العراقية لتجنب التهريب وتعزيز الاقتصاد الوطني.

تحليل اقتصادي: تداعيات السلع المهربة على الاقتصاد الوطني

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور ستار البياتي أن تدفق المنتجات الزراعية والغذائية الممنوعة إلى الأسواق الشعبية يشكل تحديًا خطيرًا للاقتصاد الوطني. ويوضح البياتي أن هذا الوضع يقوض قدرة المنتج المحلي ويقلل معدلات الإنتاج الزراعي بسبب المنافسة غير العادلة التي تفرضها السلع المهربة عبر المنافذ غير الرسمية.

وبين البياتي، أن هذه المنتجات، وإن كانت مغرية للمستهلكين بأسعارها المنخفضة، فإنها تضر بالاقتصاد الوطني من خلال إفقاد السوق جودتها التقليدية وحرمان الخزينة العامة من الإيرادات الجمركية التي كان من الممكن أن تدعم الموازنة العامة والقطاعات الحيوية.

المنافذ الحدودية ودورها في تعزيز الاقتصاد

وأشار البياتي إلى أن العراق يمتلك شبكة حدودية واسعة تضم 23 منفذًا جويًا وبريًا، مما يوفر فرصة لتنمية التجارة الخارجية وتنويع مصادرها بما يخدم الاقتصاد الوطني، خاصة وأن التعامل مع اقتصادات مختلفة يعزز القدرة التنافسية للعراق.

وأضاف أن الجهات الحكومية تابعت تداعيات هذا التحدي على القطاع الزراعي، حيث لوحظ تراجع في الإنتاجية بسبب إغراق السوق بالمنتجات المستوردة. ومن هنا جاءت الخطوات الحكومية الاستباقية بمنع استيراد بعض المحاصيل الزراعية الموسمية لدعم المنتج المحلي وتنظيم السوق وتحقيق الأمن الغذائي.

تعزيز الرقابة والإجراءات القانونية

وشدد البياتي على ضرورة تعزيز الإجراءات الرقابية والجمركية المشددة على المنافذ الحدودية، وتطبيق العقوبات الرادعة بحق المهربين الذين يستغلون الثغرات لتمرير البضائع ضمن ما يسمى بالاقتصاد غير الرسمي.

وفيما يتعلق برفع الرسوم الجمركية على بعض الواردات، اعتبر البياتي هذه الخطوة إيجابية لدعم الصناعة والزراعة الوطنية، لكنه نبه إلى ضرورة التوازن مع القوانين والاتفاقيات الدولية، خاصة وأن العراق لا يزال يتمتع بوضعية مراقب داخل منظمة التجارة العالمية، التي تسمح بفرض رسوم جمركية تصل إلى 5% فقط، مما يمكن أن يكون أداة قانونية لحماية المنتج وتعزيز الإيرادات.

توصيات لتعزيز الاقتصاد الوطني

وخلص البياتي إلى أن الاستثمار الأمثل في المنافذ الحدودية، وتطوير منظومة الرقابة الجمركية والإجراءات القانونية، يشكلان ركيزتين أساسيتين لتعزيز الاقتصاد الوطني، وتحقيق تنمية زراعية، وخلق مناخ تجاري متوازن يضمن حماية المستهلك والمنتج المحلي.

من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور صفوان قصي على ضرورة منع تداول السلع الممنوعة من الاستيراد وفرض عقوبات صارمة ومتابعة دقيقة لحماية الإنتاج المحلي.

السيطرة على “العلوات” وتأسيس شركة وطنية للنقل الزراعي

في تصريح له، شدد قصي على أهمية السيطرة على “العلوات” – وهي الممارسات غير القانونية لتهريب السلع – واقترح تأسيس شركة وطنية متخصصة على مستوى العراق تتولى مسؤولية نقل المنتجات الزراعية بشكل منظم.

وتهدف هذه الخطوة إلى تقليل معدلات تلف المحاصيل أثناء النقل، وتسهيل عمليات إدخال المواد المستوردة والسيطرة على جودتها وكمياتها، مما يقلل التكاليف ويحسن إدارة السوق.

وأضاف أن تنظيم قطاع النقل الزراعي سيعزز كفاءة العمليات الرقابية ويضمن الالتزام بمعايير الجودة، بعيدًا عن التشتت الناتج عن وسائل النقل المتعددة وغير المنظمة.

كما أوضح قصي أن مسؤولية حماية القطاع الزراعي لا تقتصر على الجهات الرسمية فحسب، بل تشمل المستهلكين وباعة الجملة والتجزئة، الذين يجب عليهم الامتناع عن شراء السلع الممنوعة.

الجمارك تعلن عن قوائم أسعار جمركية جديدة

في سياق متصل، أعلنت الهيئة العامة للجمارك عن بدء تطبيق قوائم الأسعار الجمركية الجديدة للبضائع والسلع المصادق عليها بموجب قرار مجلس الوزراء، اعتبارًا من 1 حزيران 2025 في جميع المراكز الحدودية، بما فيها منافذ إقليم كردستان.

وأفادت الهيئة أن هذه القوائم جاءت بعد مراجعة شاملة من قبل لجنة مشكلة بموجب الأمر الديواني رقم 61 لسنة 2024 بهدف تحديث الأسعار الجمركية لتكون مقاربة للأسعار الفعلية المعتمدة عالميًا، دون المساس بالنسب المئوية المحددة في قانون التعرفة الجمركية أو القرارات الأخرى ذات الصلة.

حماية المنتج المحلي وتعزيز القدرة التنافسية

وصرح مصدر من هيئة الجمارك (رفض الكشف عن هويته) أن قرار رفع الرسوم الجمركية على بعض السلع المستوردة يهدف إلى حماية المنتج المحلي، وإتاحة الفرصة لتطوير الاقتصاد الوطني، وتحقيق القدرة التنافسية للمنتجات المحلية في الأسواق العالمية. ويهدف هذا الإجراء إلى دفع المستهلك العراقي للاعتماد على السوق المحلية وتقليل استيراد البضائع.

دور وزارة الزراعة في دعم المنتج المحلي

الى ذلك، أكد مستشار وزارة الزراعة، الدكتور مهدي القيسي، أن الوزارة تبذل جهودًا متواصلة للحد من انتشار المنتجات الزراعية والغذائية الممنوعة من الاستيراد.

وأوضح القيسي، أن دور الوزارة يتركز على التأكد من وفرة المنتج المحلي من الخضراوات والبيض والدجاج بأسعار تنافسية تلبي حاجات المستهلكين.

وفي حال توفر هذه المنتجات بكميات كافية، تطلب الوزارة من المجلس الوزاري للاقتصاد اتخاذ قرار بمنع الاستيراد للحفاظ على استقرار السوق ودعم المنتج الوطني.

وأشار القيسي إلى أن وزارة الزراعة، ممثلة بدائرة التخطيط والمتابعة وفروعها في المحافظات، تتابع باستمرار حالة العرض والطلب. وعند وجود أي نقص في المنتجات المحلية، تطلب الوزارة من المجلس الوزاري للاقتصاد فتح باب الاستيراد لضمان التوازن بين العرض والطلب، حيث أن منع الاستيراد في ظل نقص المنتج المحلي قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار ويضر بالمستهلك.

كما أكد القيسي أن الأمن الاقتصادي يعمل على متابعة وضبط المنتجات، وفي حال ضبط كميات من المحاصيل المهربة أو التي تدخل خارج ضوابط الاستيراد، يتم التنسيق مع وزارة الزراعة لتحديد ما إذا كانت تلك المحاصيل مهربة أم من الإنتاج المحلي.

وختم القيسي حديثه بالتأكيد على استمرار وزارة الزراعة في عملها للسيطرة على الأسواق، وتحديد الاحتياجات وفترات المنع أو الفتح في الاستيراد، بالإضافة إلى تقديم الاستشارات والتعاون مع الجهات الأمنية عند ضبط مواد مهربة، لضمان اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة والحفاظ على سلامة السوق الوطنية.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا