إضاءات تدبریة

التَّوبَة.. بابُ أملٍ وَطريقُ إصلاحٍ (4) يا صاحب الأربعين سارع الى التوبة

يقول سبحانه وتعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ}. (سورة الاحقاف- الآية: 15-16)

متى يبلغ الإنسان أشدّه؟

هل عندما يصل إلى سن البلوغ الشرعي؟ أم عندما يبلغ سن الرُشد الذي قيل أنه بلوغ الثامنة عشر؟ قال البعض: إن الإنسان لا يبلغ أشدّه إلا عند سن الأربعين، بيد أن الأقرب إلى ظاهر الآية هو بيان نوعين من البلوغ:

الأول: البلوغ الأولي الذي يجعل الفرد مستعدا لدخول الحياة.

الثاني: البلوغ الأتم الذي يحدث عند سن الأربعين، حيث يكتمل نمو خلايا المخ، وتتراكم تجارب الحياة، ويكون الإنسان في قمة عمره، ثم  ينحدر من بعدها شيئا فشيئا إلى نهايته، ومن هنا جاء في الحديث؛ أن الشيطان يمسح يده على وجه من زاد على الأربعين ولم يتُب، ويقول”: بأبي وجهٌ لا يفلح”.(1)

ويؤيد هذا؛ أن الإنسان يمثل في العقد الأربعين من عمره دور الولد الذي أكمل الوالدان دورهما في نموه وتطوره، كما يمثل الوالد الذي ذاق -بدوره-  الصعوبات التي تحملها والداه في أمره فعرف قدرهما، و وعى قدر النعم التي أسبغها الله عليه.

{إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ}

قرأت مرة في مجلة غربية مقالاً يدعو من بلغ الأربعين ألاَّ يحاول تغيير عاداته، ويبدو أن الكاتب كان يعتمد  النظرة المادية للإنسان، وأ،ه في مثل هذا الوقت لا يملك إرادة التغيير

فخلال رحلة العمر ذات الأربعين ربيعا أزاغته الذنوب عن صراط ربه العزيز الحميد، وقد ذهبت الآن غشاوة السهو عنه، كما تلاشت لذَّات الشهوات، وأزالت طوارق الزمن سكرة الشباب، واكتمل عقله، وعرف أن طريق الفلاح ينحصر في التوبة إلى الله عز وجل.

لقد قرأت مرة في مجلة غربية واسعة الانتشار مقالا يدعو من بلغ الأربعين ألاَّ يحاول تغيير عاداته، ويبدو أن الكاتب كان يعتمد في ذلك على أن الإنسان في مثل هذا الوقت لا يملك إرادة التغيير، وهذا ينسجم مع النظرة المادية إلى الإنسان، وتلخيص دوافعه في الشهوات الدنيوية التي تتراجع عند سن الأربعين ويتلاشى بعضها، مما لا يجد دافعا نحو التغيير، بينما البصيرة القرآنية تدعونا إلى التوبة عند سن الأربعين، حيث يكتمل العقل، وتلتهب جذوة الضمير، وتتهيأ فرصة الإصلاح، وتتنامى دواعي الخير وبواعث الفضيلة فيه.

وهكذا يكون عقد الأربعين أفضل مناسبة للثورة الذاتية، بالتوبة إلى الله، والتسليم للشريعة التي تخاطب العقل، وتذكي دواعي السعي للآخرة التي يكون صاحب الأربعين أقرب إليها من غيره.

{وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}

فإذا دعتني سكرة الشباب إلى التمرد ردحا من الزمن، فها أنا ذا اليوم أعترف بالذنب، وأخضع لك يا ربِّ خضوعا تاما، وأفتش في صفحات تاريخي، فإذا وجدت فاحشة هنا وخطيئة هناك، وظلما للناس، وغصباً للحقوق، وانحرافا في العقيدة وزيفا في الثقافة، وعادات سيئة وما أشبه، فإني أسعى لتغييرها والتخلص من وزرها وتبعاتها بتوفيقك.

أو ليس كل ذنب وزيغ وانحراف يترك أثره في قلب الإنسان؟ دعنا إذا نتخلص منه بالتوبة، لنطهر القلب من أدرانه، والسلوك من سيئات العادات، ونترك جانبا، الاستخفاف بالقيم، والتهاون بالواجبات والسهو عن الصلاة والزكاة وما الى ذلك.

وبالرغم من ابتعاد هذا الفريق من الناس حينا عن الصراط السوَّي فإن توبتهم مقبولة، ويتقبل الله حسناتهم، ويتجاوز عن سيئاتهم، ويدخلهم الجنة مع الصالحين من عباده.

إنما يتقبل الله من المتقين، وقد يتقبل من غيرهم بعد توبتهم حيث يعدُّهم كالذين لم يذنبوا أبدا وهم المتقون من عباده

{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا}

وإنما يتقبل الله من المتقين، وقد يتقبل من غيرهم بعد توبتهم حيث يعدُّهم كالذين لم يذنبوا أبدا وهم المتقون من عباده، وقال المفسرون: إن المراد من أحسن الأعمال؛ الواجبات والمندوبات. وقد يقال: إن لقبول الحسنات أيضا شروطاً اذا لا تتوافر فيها جميعا فلا يتقبل الله منها إلا الأحسن، مما يبعث الإنسان إلى السعي لتحقيق كل شروط العمل الصالح.

{وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ}

أ وليسوا قد تابوا إلى الله منها توبة نصوحا، والله سبحانه هو التواب الرحيم؟

}فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ{

أولئك الصالحين الذين أخلصوا لله حياتهم، وأية كرامة أعظم لأمثالنا أن يدخلنا الله في الصالحين من عباده ونحن ممن خلط عملا صالحا وآخر سيئا؟!

  • بصائر مقتبسة من موسوعة “مِن هُدى القرآن” لسماحة المرجع المُدرِّسي (دام ظله).

________________ 

  1. مستدرك سفينة البحار: ج ٤ ص ٦٤

عن المؤلف

إعداد: نعمان التميمي

اترك تعليقا