کل المجتمع

نظرة الشباب للزواج في ظل الصعوبات الاقتصادية

لطالما يؤكد الله تعالى، ونبيه و أهل بيته، عليهم جميعاً صلوات الله، على أهمية الزواج، ونجد أمثلة على ذلك في مواضع مختلفة من القرآن الكريم، كما أن الكثير من أحاديث النبي والعترة الطاهرة تحثّ على الزواج مما يدل على أهمية الزواج وتأسيس الأسرة في الإسلام، ليس فقط لأنه يوفر الحاجة الفطرية والغريزية لدى الفرد بطريق شرعي صالح، بل ولأن بناء الاسرة الصالحة هو اللَّبنة الاساس في بناء وقيام ونمو المجتمع الانساني الصالح ايضا.

ما أهمية الاقتداء بالأئمة الأطهار في الزواج؟

في كل عام، وفي الأول من شهر ذي الحجة، نحن نحتفل بمناسبة زواج مولاتنا فاطمة الزهراء، وامير المؤمنين، عليهم السلام، ونسميه بزواج النورين، والكثير من العائلات تزوج اولادها وبناتها في هذه المناسبة الميمونة تبركاً بها.

لو كنا تعلمنا الدروس والعبر من زواج أمير المؤمنين بالصديقة الزهراء، لما كان عصرنا وأحوال مجتمعنا كما نراها اليوم من الصراعات والخلافات، والقضايا التي تُرفع إلى المحاكم يوميًا

والسؤال هنا: هل لدينا وعي ومعرفة بهذا الزواج وبركاته؟ وهل نتعظ ونقتدي بهما أم لا؟

وهل احتفائنا بالمناسبة وتزويج أولادنا وبناتنا فقط للتبرك العابر بالمناسبة؟ أم انَّه بنيِّة وتخطيط وعزم على اتخاذهما قدوة في الحياة فيما بعد انتهاء مراسم الزفاف، بالعمل بحسب القواعد والقيم والاهداف التي تم عليها زواجهما المبارك، وما قدماه لنا من حياة حافلة بالعطاء والجهاد والصبر وبالمودة والاحترام، وبناء اسرة عظيمة؟

إن هذا الزواج يُعدّ نموذجًا عظيمًا ومهمًا للحركة والحياة، وللسعادة للجميع، وخاصةً الشباب، ففي هذا الزواج، ومنذ لحظاته الاولى، مرورًا بالخطبة ومقدار المهر، والقبول، وصولًا إلى الاستعداد والانتقال إلى بيت مشترك، وبدء حياة المولى وفاطمة عليهما السلام، وكيف كانت تحكمها القيم الشرعية، والمثُل الاخلاقية و الانسانية، وصولًا إلى الشجرة الطيبة التي أثمرت، وما نتج عن ذلك من هذه البستان المثمرالمبارك، كل هذا جدير بالنقاش والحوار، خصوصًا في هذا العصر، حيث يحتاج شعبنا وعائلاتنا وشبابنا حقًا إلى معرفة ما نملكه من ثروة عظيمة وقيمة، وما نملكه من قدوة حسنة للسير في الطريق الصحيح لبناء حياة و أسرة سليمة، ومن ثمّ، مجتمع سليم.

عقد النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، قِران ابنته فاطمة الزهراء، والإمام علي (عليهما السلام، بأبسط وأيسر طريقة ممكنة، انهما افضل  قدوة حسنة لجميع الشباب الذين على وشك الزواج. وبالطبع فإن في هذا الزواج ونتائجه دروساً تربوية بالغة الأهمية لنا ونموذجاً يُحتذى به في جميع العصور.

إن زواج أمير المؤمنين من فاطمة الزهراء، عليهما السلام، نموذجٌ لا يُضاهى في مسألة الزواج وتأسيس الاسرة الصالحة، والآن لننظر ونرى أين نحن من هذا المثال والنموذج؟ وإلى أي مدى نستفيد منه؟ وكم حاولنا الفهم والتفاعل معه، وبناء حياتنا بناءً عليه؟

ولو كنا تعلمنا من هذا الأمر وهذه النماذج، لما كان عصرنا وأحوال مجتمعنا كما نراها اليوم من صراعات وخلافات، وقضايا التي تُرفع إلى المحاكم يوميًا، وهذه الإحصائيات المتعلقة بالطلاق، كلها ناقوس خطر يُنذرنا بأننا نمضي في طريق خاطىء، وتركنا طريق القرآن الكريم وأهل البيت، عليهم السلام، الصافي والجميل والناجح، ونسير في اتجاهٍ آخر.

نظرة الشباب الى الزواج في ظل الصعوبات الاقتصادية

لقد غيّرت المشاكل الاقتصادية اليوم نظرة الشباب للزواج، ونتيجةً لهذه المشاكل، نشهد انخفاضًا في الرغبة بالزواج وارتفاعًا في سن الزواج، فضلا عن ارتفاع نسب الطلاق.

بالطبع، لم تكن ظروف المعيشة يومًا ما سهلة، ولطالما واجهت الحياة مشاكلها الخاصة، ولكن في مراحل تاريخية معيّنة، عاش الناس حياةً تغلبوا فيها على الصعوبات بكلّ جوارحهم، ووجدوا لها حلولًا منطقية وحكيمة، ولم يضاعفوا من حدّتها، فمتى كانت الحياة خالية من الهموم ومن الصعوبات؟! فطالما وُجد الإنسان، فقد عمل وجاهد وأدار حياته، لكن للحياة سرّ يُدعى الحكمة، ومنها؛ الحكمة المنزلية، وتكوين وادارة الاسرة.

ما يساعد الازواج الشباب في تجنّب المشاكل، أن لا ينظروا إلى الآخرين وحياتهم وما لديهم، ويغفلوا عن حياتهم هم انفسهم، وما لديهم من نعم قد لا تتوفر لأولئك الآخرين

صحيحٌ أن اليوم هناك مشقةً وغلاءً وتضخمًا وبطالةً ومشاكلَ كثيرةً لأسبابٍ مختلفة، لكن ما يبرز جليًا في القرآن الكريم، وفي كلمات الأئمة الطاهرين، وفي مسيرة حياة النبي وآل بيته الطاهرة، هو سرّ القناعة والرضا في الحياة والاستفادة من النعم المتاحة، والتعاون لإيجاد الحلول للصعوبات والمشاكل، وهذا بالطبع يحتاج الى سعة أفق وصبر وتحمّل وتفهُّم وعدم التسرع، وتخطيط وادارة حصيفة ايضا، وهو ما يبدو اننا بتنا نفتقده كثيرا في عالم اليوم.

دعوا المقارنات والانشغال بما لدى الأخرين

وما يساعد الازواج الشباب في تجنّب هذه المشاكل التي تُصيب بعضهم، أن لا ينظر الإنسان إلى الآخرين وحياتهم ومالديهم، ويغفلوا عن حياتهم هم انفسهم، وما لديهم من نعم قد لا تتوفر لأولئك الاخرين، فمن يُنفق وقته على ما يملك ويستفيد منه، يكون أسعد بكثيرٍ مما لو كان يحزن دائمًا ويقارن، ويتحدث عما لا يملك وينظر إلى الآخرين في ذلك، فما دام نظره منصبًّا على حياة الآخرين، ومالديهم، لن ينعم بالرخاء، لأنه لا يعرف حياة الآخرين، ولا يستطيع الحكم على الأمور بناءً على المظهر، وما يظهرونه في العلن.

القناعة والرضا مع السعي و حكمة التدبير

إذا؛ هل يمكن للمرء بالقناعة والرضا؛ التغلب على المشاكل الاقتصادية وبدء حياة زوجية من دون ان يسعى ويكد في سبيل تحسين ظروف حياته؟ والجواب بكل تأكيد كلا، فالقناعة والرضا لا يعنيان ابداً الجمود والكسل وعدم السعي لكسب المال واقتناء افضل السلع والبضائع في المنزل دون اسراف، فلا تقتير، ولا تبذير ايضاً.

وللأسف، لدينا حلقة مفقودة في حياتنا الاسرية، تُسمى الحكمة في تدبير وادارة شؤؤننا المالية والاقتصادية، إذ علينا أن نرى، في ظل هذه الصعوبة وهذا التضخم وغلاء الأسعار، هل نحن مستعدون لتقليل بعض تلك النفقات والهدر غير الضروري الذي لا يؤثر على حياتنا الزوجية وتكوين أسرة؟ هل نحن مستعدون للعيش بفخر واعتزاز، وسلام، وضمان مستقبلنا دون أن نغرق في ديون تُثقل كاهل المرء لسنوات طويلة وتحرمه النوم؟ خاصة وأن هذا الاقتراض ليس لأساسيات الحياة، بل في الغالب لكماليات ليست ضرورية، ربما لليلة الزفاف نفسها، وحفل الزفاف، وما يحيط به من أمور، وهو ما لا يفعله العاقل والحكيم، إذا استفاد الشباب من هذه الحكمة والقناعة والرضا وغضوا الطرف عن بعض المظاهر، فسيتمكنون حتمًا من بدء حياتهم معًا.

وقد يأتي سؤال آخر هنا؛ هل السهولة والبساطة في  الزواج وتجاوز المظاهر ضمان لسعادة الزوجين؟

إذا نسقنا تفكيرنا وتخطيطنا، بالإضافة إلى الفهم والتسامح، يُمكننا بناء حياتنا، فلدينا أمثلة كثيرة استطاعت بلوغ أعلى قمم السعادة بقناعة. رأينا العديد من الأحبة الذين كوّنوا أسرًا بسهولة ويسر وجمال، وعاشوا وتزوجوا بأقل الإمكانيات، ودخلوا في حياة مشتركة، ففي واقعنا لدينا أمثلة كثيرة على زيجات ناجحة، ترسم صورة جميلة للحياة المشتركة في إطار إنساني جميل. فكلما كان أساس الحياة أسهل وأقل تكلفة، كان أساسها أقوى، وكلما تطرقنا إلى الهوامش في بداية الحياة المشتركة، ربما قلّ عمق أساسها وجذورها.

ختاما:

على الشباب ذكورا واناثا- أن يتخذوا من حياة أمير المؤمنين، والسيدة فاطمة، عليهما السلام، قدوة، سواءً في بداية زواجهم وتكاليفه، و مرورا بالدخول في الحياة المشتركة، وإلى قلب البيت وتكوين الأسرة، وأن ينتبهوا لمسألة التفاهم والتسامح والرضا والاحترام المتبادل بين الزوجين، وهي كلها نقاط بالغة الأهمية، فإذا ما أُوليت هذه الأمور اهتماماً، فسينجحون في بناء اسرة، وسيتربى في هذه الأسرة أبناءٌ صالحون.

عن المؤلف

سُكينة الشيباني

اترك تعليقا