الأخبار

أتمتة البطاقة التموينية بين الأمل بالتحديث وتحديات الواقع العراقي

الهدى – بغداد ..

في إطار مساعي الحكومة العراقية لرقمنة الخدمات العامة وتبسيط الإجراءات، أطلقت وزارة التجارة مشروع أتمتة البطاقة التموينية. هذا المشروع، الذي وصفه وزير التجارة أثير داود الغريري بأنه “ركيزة أساسية لتأمين قوت المواطن بآليات حديثة وشفافة”، يهدف إلى ضمان عدالة التوزيع وتحسين كفاءة النظام الغذائي المدعوم. ومع أن الأهداف المعلنة طموحة، فقد كشف الواقع عن تحديات تقنية واجتماعية كبيرة أثارت قلق المواطنين، لاسيما الفئات الأقل دراية بالتقنيات الحديثة.

تحديات تكنولوجية واجتماعية تعترض “التحول الرقمي

وبالرغم من التوجه الحكومي نحو الرقمنة، واجه آلاف المواطنين صعوبات جمة في تحديث بيانات بطاقاتهم التموينية. أبرز هذه التحديات تمثلت في عدم امتلاك بطاقة موحدة، أو الافتقار إلى الدراية بالتعامل مع التطبيقات الإلكترونية، أو عدم امتلاك هواتف ذكية حديثة.  كما رُصدت حالات حجب أفراد من الأسر بسبب مشكلات في قبول بياناتهم ضمن المنصة الرقمية، مما أثار تساؤلات حول مدى شمولية النظام الجديد وقدرته على استيعاب جميع شرائح المجتمع.

معركة مع التكنولوجيا”: شهادات حية لمواطنين يواجهون النظام الجديد

ويروي مروان العبادي، وهو رب أسرة متقاعد، تجربته “المعقدة” مع المنصة، حيث اضطر العبادي للاستعانة بابنه الأكبر الذي وجد بدوره صعوبة بالغة في إتمام عملية التحديث.

ويشرح العبادي تفاصيل المعاناة: “البرنامج يطلب تصوير وجوه أفراد الأسرة بدقة متناهية، مع توجيه الرأس لليمين واليسار ثم الأعلى والأسفل، ويتكرر هذا الإجراء مع كل فرد. أي خطأ بسيط يعيدنا إلى نقطة الصفر”.

وأضاف ان “البرنامج ثقيل جداً، ويتطلب اتصالاً سريعاً بالإنترنت، وهو أمر غير متوفر لكثير من الأسر في المناطق الشعبية والريفية، متابعا “ما إن نكاد ننهي إدخال بيانات معظم أفراد الأسرة، حتى يتوقف التطبيق فجأة، ويجبرنا على إعادة العملية من بدايتها”، متسائلاً بعفوية: “هل يعقل أن يتحول الحصول على قوت الناس إلى معركة مع التكنولوجيا؟ لماذا هذا التعقيد؟”.

وفي منطقة الراشدية شمال شرقي بغداد، يواجه المواطن صباح نوري تحدياً مختلفاً؛ فهو لم يباشر بتحديث بطاقته لرفضه إدخال الإنترنت إلى منزله من الأساس، معللاً ذلك بأنه “يشغل أفراد الأسرة عن عملهم في الزراعة والحصاد”.

وهذا الموقف يعكس واقعاً اجتماعياً في بعض المناطق الريفية، حيث لا تزال الأولويات الحياتية مختلفة، وتُنظر إلى التكنولوجيا أحياناً كمصدر تشتت.

ويقول نوري إنه سيضطر لاصطحاب أفراد أسرته إلى إحدى المكتبات القريبة لإتمام التحديث، ما يعني “وقتاً وجهداً وتكاليف إضافية” للحصول على حصتهم الغذائية.

أعباء مالية على الأسر ومكتبات تعتذر عن الخدمة

أصحاب المكتبات ومراكز الطباعة أيضاً يعانون من ضغط كبير،  مصطفى ليث، صاحب مكتبة في الأعظمية، أكد تزايد الطلب على خدمة تحديث البطاقة، لكنه غالباً ما يضطر لرفضها للأسر الكبيرة.

ويشرح ليث أن “التحديث مرهق جداً، ويتطلب وقتاً طويلاً وجهداً مضاعفاً، بدءاً من إدخال البيانات الدقيقة وصولاً إلى التقاط الصور وفق متطلبات التطبيق الصعبة”.

وأشار إلى أن بعض المكتبات التي تقدم هذه الخدمة تفرض رسوماً تتراوح بين 2000  إلى 3000 دينار عن كل فرد، مما يعني أن أسرة من ستة أفراد قد تدفع ما بين 12 إلى 18 ألف دينار، وهو مبلغ ليس بالبسيط للأسر محدودة الدخل.

وزارة التجارة ترد وتؤكد على التسهيلات وتمديد المهلة

في المقابل، تؤكد وزارة التجارة سعيها لتسهيل الإجراءات وضمان شمول الجميع.

وصرح المتحدث الرسمي باسم الوزارة، محمد حنون، أن الوزارة استجابت لمطالب المواطنين بتمديد مهلة التحديث في بغداد والمحافظات، مشدداً على أن التحديث يمثل الحد الفاصل بين تسلم المواطن لحصته من المواد التموينية وعدم تسلمها.

وأكد حنون أن العملية تعتمد كلياً على البطاقة الموحدة، وحث المواطنين على الإسراع بتسجيل حساب باسم رب الأسرة، حتى لو واجهوا مشكلات مؤقتة في إدخال بيانات أحد الأفراد، مؤكداً أن هذه الحالات ستُعالج لاحقاً من قبل فرق فنية.

وأوضح أن تأخر التسجيل أو الامتناع عنه قد يُفهم من قبل النظام على أنه مؤشر لعدم تواجد الأسرة داخل البلاد، مما قد يؤدي إلى فقدان استحقاقها.

ولتقليل هذه المشكلات، أشار حنون إلى وجود خيارات متعددة للدعم الفني، مثل تطبيق “اتصل بنا” وفرق جوالة في المراكز التموينية.

وكشف أن الوزارة تمكنت حتى الآن من تحديث بيانات نحو 24 مليون مواطن، وأن العمل سيبدأ قريباً في محافظتي نينوى وكربلاء، بالإضافة إلى حلبجة في إقليم كردستان.

توضيحات إضافية من مدير التخطيط والمتابعة

من جانبه، أكد مدير التخطيط والمتابعة في وزارة التجارة، طالب حسن نعمة، أن التطبيق لا يزال مفتوحاً، وأن هناك دعمًا فنيًا مدمجًا داخل التطبيق نفسه، بالإضافة إلى فرق دعم ميدانية في مقر الدائرة وفروعها بالمحافظات لمساعدة المواطنين.

وفيما يخص الحالات الخاصة، أوضح نعمة أن المتواجدين خارج البلاد للعلاج أو الدراسة يمكنهم التحديث عند عودتهم بمراجعة الدائرة المختصة.

كما شدد على أن رب الأسرة هو من يجب أن يبدأ التحديث أولاً قبل إضافة باقي الأفراد، وبالنسبة للمرأة المنفصلة أو المطلقة، يمكنها مراجعة الفرع التمويني التابع لمحل سكنها للمساعدة في تحديث بياناتها بشكل مستقل.

ودعا الأسر في المناطق النائية أو التي لا تمتلك هواتف ذكية إلى الاستعانة بأقاربهم أو أصدقائهم، أو التوجه مباشرة إلى فروع دائرة التخطيط والمتابعة في محافظاتهم.

وهذه التصريحات تعكس محاولات الوزارة لاستيعاب التنوع الاجتماعي والجغرافي في العراق ضمن آلية التحديث، لكنها تضع جزءاً من المسؤولية على عاتق المواطنين في إيجاد حلول بديلة عند الحاجة.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا