{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ* وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}. (سورة المطففين- الآية: 10-14)
لماذا يقف بعض الناس موقف الجاحد المعاند من آيات الله البينات؟!
أوَلا يحبون أنفسهم؟ أوَلا يحكم العقل بضرورة الاستماع إلى النذير، فلعله يكون صادقا فيقعون في خطر عظيم؟!
{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ* وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ}.
يجيب السياق عن هذا التساؤل: بأن للذنب أثرا سيئا على القلب البشري، وكلما تراكمت الذنوب تراكمت آثارها {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.
{كَلاَّ}، ليست أساطير الأولين، بل إنها حقائق من عند الله {بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.
قالوا: “ران بمعنى غلب”(1)، واستشهدوا على ذلك باستخدام مفرداته، مثل: رانت به الخمرة، و ران عليهم النعاس، ويقال: “قد رِين بالرجل ريناً، إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه”.
ولكن يبدو لي أن الأصل في الرين، الصدأ، وهو الغلالة الخفيفة التي تحيط بالحديدة وما أشبه، وتدل على فسادها. ولعل الفارق بينه وبين الصدأ، أن الصدأ قد يكون في جزء، في حين أن الرين يستخدم إذا أحاط الصدأ بالقلب تماما.
لذلك قال بعضهم: الرين أن يسوّد القلب من الذنوب، ونقل عن ابن عباس :”رانَ على قلوبهم بمعنى غطَّى على قلوبهم”. (2)
كيف يرين الذنب على القلب؟
قال رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلّم: “إنّ المؤمن إذا اذنبَ كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تابَ ونَزعَ واستغفر صُقِلَ قلبهُ منه، وإن زادَ زادت، فذلك الرّين الذي ذكره الله في كتابه: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}”. (3)
أن في قلب الإنسان قوى تتنازعه، و فوق هذه القوى إرادته، فإذا استسلم لقوة الشهوات ضعفت إرادته، وكُسِف نور عقله، فلا يزال كذلك حتى يخبو عقله، وتنماث إرادته فيسترسل كليا مع الشهوات.
الخير عادة والشر عادة ايضاً، ومن عوَّد نفسه على الشر كيَّف سلوكه وسائر تصرفاته مع تلك العادة، وكان كدودة القز تنسج حول نفسها ما يقتلها
ينبغي التوبة إلى الله في كل يوم، بل وفي كل ساعة، حتى يُمحى أثر الذنوب التي لازلنا نمارسها قبل أن تترسخ في القلب فتفسده
ومن جهة أخرى، عندما يرتكب البشر جريمة أو ذنبا، تراه يتهرب من وخز ضميره بتبريرهما، ولا يزال يبرر لنفسه ما يرتكبه حتى يقتنع بذلك التبرير، بل يتحول عنده إلى ثقافة متكاملة، فلا يكاد يعرف الحقيقة.
ومن جهة ثالثة: الخير عادة والشر عادة ايضاً، ومن عوَّد نفسه على الشر كيَّف سلوكه وسائر تصرفاته مع تلك العادة، وكان كدودة القز تنسج حول نفسها ما يقتلها، أرأيت الذي يكتسب الحرام، إما بالسرقة أو الغش أو التطفيف أو التعاون مع الظالمين أو العمل كجاسوس محترف للطغاة أو الأجانبّ! أرأيته يتخلص من هذه المهنة وقد كيف نفسه معها، واعتمد عليها في رزقه اليومي!
ضرورة تعجيل التوبة
لذلك ينبغي للرشيد ألا يتبع الشيطان منذ الخطوة الأولى، ولا يرتكب حتى الذنب الأول، وإذا مرّ به طائف من الشيطان فخدعه عن دينه، وارتكب ذنبا فعليه أن يتوب عن قريب، ولا يتابع مسيرة الذنب، فإن الذنب بعد الذنب يفسد القلب، ويبعد عن الإنسان توفيق التوبة.
وقد روى عن رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال: “إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ كَانَ نُقْطَةً سَوْدَاءَ عَلَى قَلْبِهِ فَإِنْ هُوَ تَابَ وَأَقْلَعَ وَاسْتَغْفَرَ وصَفَا قَلْبُهُ مِنْهَا وَإِنْ هُوَ لَمْ يَتُبْ وَلَمْ يَسْتَغْفِرْ كَانَ الذَّنْبُ عَلَى الذَّنْبِ وَالسَّوَادُ عَلَى السَّوَادِ حَتَّى يَغْمُرَ الْقَلْبَ فَيَمُوتُ بِكَثْرَةِ غِطَاءِ الذُّنُوبِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}”.(4)
وهكذا روي عن الإمام الباقر، عليه السلام، أنه قال:”ما من شيء أفسد للقلب من الخطيئة، إن القلب ليواقع الخطيئة فما تزال به حتى تغلب عليه فيصير أسفله أعلاه و أعلاه أسفله”. (5)
وقال ـ عليه السلام ـ ايضا: “ما من عبد إلا وفي قلبه نكتة بيضاء فاذا أذنب خرج من النكتة، نكتة سوداء فان تاب ذهب ذلك السواد، وان تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض، فاذا غطى البياض لم يرجع صاحبه الى خير ابدا، و هو قول الله عز وجل: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}. وقال الإمام الصادق، عليه السلام: “إذا أذنب الرجل خرج في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب انمحت، وإن زاد زادت، حتى تغلب على قلبه فلا يُفلح بعدها أبداً”.
لنكن في توبة دائمة
من هنا ينبغي التوبة إلى الله في كل يوم، بل وفي كل ساعة، حتى يُمحى أثر الذنوب التي لازلنا نمارسها قبل أن تترسخ في القلب فتفسده، كما ينبغي التلاقي والتواصي بالحق والصبر، والتناصح حتى تجلى الأفئدة من رينها، هكذا أوصانا رسول الله فيما روي عنه أنه قال: “تذاكروا وتلاقوا وتحدثوا فإن الحديث جلاء للقلوب، إن القلوب لترين كما يرين السيف، جلاؤها الحديث”. (6)
هذه القلوب التي ترين بالذنب لا تتشرف بلقاء ربها يوم القيامة، ذلك أن هذه الذنوب تصبح حجبا كثيفة تمنع عنه أنوار الله البهية، فليرتدعوا عن الاسترسال مع الذنوب وما يسبب لهم رين القلب؛ لأن لذلك عاقبة سوأى وهي: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}. (سورة المطففين- الآية:15)
لقد حجبهم الذنب عن رحمة الله وعطفه ورعايته، كما حجبهم الذنب عن نور لقائه ومشاهدته بحقيقة الإيمان.
________________
1- مجمع البيان: ج ١٠ ، ص ٢٩٣.
2- التفسير الكبير: ج ٣١ ص94.
3- روضة الواعظين: ج ٢ ص ٤١٤].
4- مستدرك الوسائل: ج 11 ص 333].
5- مستدرك الوسائل: ج ١١ ص 328]،
6- الكافي ج ١ص 41].
