الأخبار

أزمة السكن في العراق: جدل الحلول بين القطاعين العام والخاص ومساعي التوازن الحكومي

الهدى – بغداد ..

تشكل أزمة السكن وارتفاع أسعار العقارات في بغداد والمحافظات تحديًا كبيرًا، ما يثير نقاشًا حول أفضل السبل لمعالجتها. وتتعدد وجهات النظر بين مؤيدي تعزيز دور القطاع الخاص في المشاريع الإسكانية، ومطالبي تفعيل شركات القطاع العام والاستفادة من خبراتها. تؤكد الجهات الرسمية في الحكومة والبرلمان على أهمية إحداث توازن بين العرض والطلب، وضبط الأداء الاستثماري والرقابي لضمان توفير وحدات سكنية بأسعار معقولة للفئات محدودة الدخل.

العرض والطلب: مفتاح خفض الأسعار

ويُرجع حسين السعبري، نائب رئيس لجنة التنمية والاستثمار النيابية، ارتفاع الأسعار إلى آليات “العرض والطلب”. ويشدد على أن “وفرة المعروض هي العامل الحاسم في خفض الأسعار وتحقيق التوازن”. ويوضح السعبري أن ارتفاع أسعار العقارات ليس مشكلة منفصلة، بل هو نتيجة لعدم كفاية المعروض مقارنة بالطلب.

ويؤكد السعبري على ضرورة التزام الجهات المختصة بدورها الرقابي والتنظيمي، من خلال إلزام المستثمرين بالأسعار التقديرية المدرجة في جداولهم الاقتصادية ضمن ملفاتهم الاستثمارية، لمنع التلاعب أو تجاوز الحدود المحددة سلفًا.

رفض مشاركة القطاع العام

ويعارض السعبري، مقترح إشراك القطاع العام في مشاريع الإسكان، مستشهدًا بتجارب سابقة “غير ناجحة”. ويوضح أن مشاركة القطاع العام في تنفيذ مجمعات سكنية سابقة أدت إلى تعثر معظمها وتوقفها، ما ترتب عليه تسويات مالية وقانونية وخسارة للقطاع العام. ويشير إلى أن بعض هذه المشاريع بات مهددًا بالاندثار نتيجة سوء الإدارة وعدم توفر الموارد.

الإصلاحات التشريعية: دعم التنمية المستدامة

ويرى علاء سكر، عضو لجنة الخدمات والإعمار النيابية، أن “الإصلاحات التشريعية” في القطاعين السكني والخدمي تمثل ركيزة أساسية للتنمية المستدامة. ويؤكد سكر أن مجلس النواب يسعى لإقرار تشريعات شاملة تلبي تطلعات المواطنين واحتياجاتهم المتزايدة في الإسكان والخدمات العامة.

ويوضح سكر أن دعم القوانين الخدمية يهدف إلى تطوير البنية التحتية وتعزيز كفاءة الخدمات الأساسية (المياه، الكهرباء، النقل، الصحة، التعليم) بجودة عالية واستدامة. ويشيد بخطوات رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في إصلاح قطاع الخدمات العامة من خلال تحديث الأنظمة الإدارية، وتحسين كفاءة الإنفاق الحكومي لضمان وصول الدعم للمستحقين، وتعزيز الشفافية، وتوسيع الاستثمارات.

دعم الإسكان لذوي الدخل المحدود

وفيما يخص القطاع السكني، يؤكد سكر أن مجلس النواب يدعم الإسكان من خلال سن قوانين تحفز إنشاء وحدات سكنية ميسّرة لذوي الدخل المحدود، وتوفير التسهيلات المالية اللازمة، وضبط الأسعار عبر تشريعات تضمن استقرار السوق لصالح المواطنين. ويدعم المجلس التنمية العمرانية المتوازنة بإنشاء مدن ومناطق سكنية جديدة مزودة بالخدمات لتخفيف الضغط عن المناطق المكتظة.

ويشدد سكر على أن القوانين الخدمية والإصلاحات السكنية تمثل أولوية قصوى للمجلس، مؤكدًا على ضرورة تضافر الجهود بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني لتحقيق نهضة خدمية وعمرانية تلبي تطلعات المواطنين.

مبادرات لمحدودي الدخل في بغداد

وكشفت سندس نصيف، الأمين العام لمجلس محافظة بغداد، عن إطلاق مشاريع إسكانية تستهدف الفئات ذات الدخل المحدود، ضمن استراتيجية شاملة لتوسيع قاعدة التملك السكني. وتعمل المحافظة على تنفيذ ثلاثة مشاريع إسكانية رئيسية في مناطق مختلفة من بغداد، ومن المتوقع توزيع وحدات أحد هذه المشاريع في يوليو المقبل.

وتشير نصيف إلى توجه جاد لتعظيم موارد بغداد المالية من خلال شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص، حيث يُدرس مقترح لمشاركة المحافظة في إنشاء مشاريع سكنية منخفضة التكلفة بالتعاون مع الشركات الاستثمارية، مع ضوابط لضمان وصول الوحدات للمستحقين.

مشروع “المطور العقاري” لتوزيع الأراضي

وكشفت نصيف عن مشروع وطني طموح تعمل عليه محافظة بغداد بالتنسيق المباشر مع رئيس الوزراء، يتعلق بـ”المطور العقاري”. ويهدف هذا المشروع إلى حصر جميع الأراضي العائدة للبلديات والمسجلة باسم وزارة المالية، وإعادة تخصيصها وتسجيلها باسم البلديات لإدخالها في مشاريع استثمارية سكنية كبرى. والغاية هي توزيع هذه الأراضي لاحقًا على موظفي الدولة ضمن برنامج إسكان شامل وعادل.

أهمية إشراك القطاع العام في الإسكان

من جانب آخر، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور صفوان قصي، أن لدى الدولة العراقية فرصة حقيقية لتفعيل الطاقات الحكومية من خلال إشراك شركات المقاولات العامة التابعة لوزارة الإعمار والإسكان في مشاريع السكن. ويؤكد قصي أن هذه الشركات تمتلك الخبرة والإمكانيات للمنافسة بقوة في إنشاء مجمعات سكنية تخصصية على مستوى المدن.

ويضيف قصي أن هذه الشركات العامة يمكنها الالتزام بتقديم مشاريع عالية الجودة، بالمعايير الفنية والهندسية المطلوبة، وضمن الجداول الزمنية، ما يعزز الثقة في المشاريع السكنية الحكومية ويشجع على الاستثمار المشترك. ويرى أن توسيع العمل الحكومي نحو استثمار الطاقات غير المستغلة سينشط الاقتصاد الوطني وينوع مصادر الدخل.

دور الرقابة وضوابط الاستثمار

ويشير قصي إلى أن دور ديوان الرقابة المالية الاتحادي وهيئة الاستثمار الاتحادية محوري في تدقيق العقود الاستثمارية وضمان شفافيتها، وفرض شروط فنية وإدارية على الشركات المستثمرة لمنع المضاربة التي تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وضمان حقوق المواطنين.

ويؤكد أن بغداد تمثل نموذجًا صارخًا للحاجة الملحة إلى مجمعات سكنية تخصصية ومخططة علميًا نظرًا للزيادة السكانية الكبيرة. ويدعو إلى تكليف الشركات العامة المتخصصة مباشرة بالدخول في الاستثمار السكني، والاستفادة من هذه الإمكانات في المحافظات التي تعاني من أزمة سكن حادة.

التنسيق لتأمين المواد الإنشائية

ويشدد صفوان على أهمية التنسيق بين وزارة الإعمار والإسكان ووزارة الصناعة لتأمين المواد الإنشائية محليًا بتكاليف مدروسة، لضمان عدم تحميل المواطن أعباء مالية إضافية. ويرى أن توظيف الطاقات الصناعية الوطنية في دعم قطاع الإسكان يحقق فوائد مزدوجة: توفير المواد بكلفة مناسبة، وتحفيز القطاعات الإنتاجية وتشغيل اليد العاملة المحلية.

جهود الهيئة الوطنية للاستثمار

يذكر أن الهيئة الوطنية للاستثمار أصدرت ضوابط وتعليمات للسيطرة على أسعار الوحدات السكنية المشيدة ضمن المدن الجديدة. وقال رئيس الهيئة الدكتور حيدر مكية إن الهيئة نفذت خلال العامين الماضيين 320 ألف وحدة سكنية بكلفة 34 مليار دولار. وهناك 11 مدينة سكنية جديدة قيد التنفيذ، منها أربع مدن مُنحت إجازات استثمارية: علي الوردي والجواهري في بغداد، والغزلاني في نينوى، وضفاف كربلاء في كربلاء المقدسة، والتي ستسهم في فك الاختناقات السكنية.

آليات ضبط الأسعار ومكافحة المضاربة

وكشف مكية عن إصدار الهيئة تعليمات وضوابط للسيطرة على أسعار الوحدات السكنية في المدن الجديدة، وإرسال تعميم إلى المحافظات والدوائر المعنية لإعداد دراسة جدوى لتحديد أسعارها المثلى. وتتضمن التعليمات رفع جميع العقود الموقعة مع الشركات إلى هيئة الاستثمار لمراجعتها وتدقيقها للوقوف على الأسعار، والالتزام بأن يكون السعر بالدينار العراقي لضمان عدم المغالاة.

كما أشار مكية إلى وجود مضاربات بعد البيع خارج اختصاصات الهيئة وهيئات الاستثمار في المحافظات، حيث تقوم شركات تسويق بشراء الوحدات والمضاربة عليها. لذا، عملت الهيئة على تضمين العقود شرطًا يحدد نسبة الترويج بـ1 إلى 2 بالمئة، للسيطرة الفعلية على الأسعار.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا