يقول الله –تعالى- في كتابه المجيد: {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً}.
هذه المحادثة جرت بين ثالث أولي العزم، مُكلم المنّان؛ موسى بن عمران، عليه السلام، وبين المُرتشف من عين الحياة، المتعلم للمغيبات المُعجبات؛ الخضر، عليه السلام، وهي طويلة، وردت في سورة الكهف، أخذنا الرأس منها فقط، وبالسرد قد نوفق لمقاربة الذيل.
فكان المبتدأ بها موسى، عليه السلام، إذ طلب التبعيّة، برغمِ كونه نبيًا، بل من الخاصةِ منهم أيضًا، وفي ذلك رسائل لنا:
– إن الفوارق كلها تسقط أمام التعلّم، بغض النظر أكان المتعلم ذو مالٍ او جاهٍ، بل حتى لو كان من خاصة الله وصفوته.
– إن العلم وسيلة، وليس غاية، إنما الغاية بلوغ الرشاد بذلك العلم ونيل الكمال والجلال المطلقين.
– المتعلم يجب أن يتواضع أمام معلمه، وإن كان في الظاهر أنه أعلى منه! فيبتدأ بالطلب ولا ينتظر قدوم الدعوة: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي}.
– لا بُد من رسم الغاية من الإتباع قبل الولوج في الإتباع، والانصياع، وخير الغايات بلوغ الكمالات، فيزكي التابع نفسه، ويحررها من العبودية الذاتية او البشرية، فتتجرد من غير الله ليكون صاحبها موحدًا حقا.
فذلكم موسى، عليه السلام، نبيٌ أُصطُفيَّ بالرسالة، و اختصّ بثبات العزمِ والإرادة، لم يستكثر التعلم المُبلّغ للرشاد، بل ولا يستحي من طلبه، فبه يبلغ غايته، وينال منيته، ويجد ضالته، ولم يجعل لمكانته ونفوذه شيئًا أمام ذلك الطلب، فلم يقل له أنا نبيٌ أو رسول، بل تجرد من كل المسميات مقابل أن يكون تلميذًا.
فالأولى بنّا أن نكون مثله، فلم ينقل الله -عز وجل- ذلك على لسان الصديق الأمين، صلى الله عليه وآله، لكي نقرأه فنجتازه، بل وضعه لنقرأه فنحتازه.
وليس صعبًا ان تتواضع بالطلب لمن تريد منه علمًا مختزلًا لخير الدُنيا والأخرة، فالمتواضع مرفوع وعزيز بعين الله والناس، لكنه موضوع وحقير في عين نفسه، وإن ذلك الوضع والرفع كفيلٌ بأن يجعلك متعلمًا ومعلمًا، فذلك موسى، عليه السلام، صار متعلما عند الخصر، عليه السلام، بتواضعه، ومعلمًا لنّا في نفس الآن.
وبعد تواضع موسى، عليه السلام، بالطلب من الخضر، عليه السلام، وافق الخضر على تعليمه لكنه حذره فقال له: {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً}، فمن العادات المفطور عليها بني البشر السؤال لرفع الإبهام، فللعلم أقفال، مفاتيحها السؤال كما يعبرون، لكن إذا كان المعلم يخرق العادات بغرائب الغيبيات، يفضل أن نصبر على ما يفعل، فنحن في بادئ الأمر قد سلمنّا له الزعامة، و أرسينا في حضرته مرساة قلوبنا وعقولنا، مع ذلك عندما نذهل نخرق الواقع بالسؤال، في هذه السطور تحدثنا عن عامة البشر فكيف بخاصتهم؟
ليس صعبا ان تتواضع بالطلب لمن تريد منه علما مختزلا لخير الدُنيا والأخرة، فالمتواضع مرفوع وعزيز بعين الله والناس، لكنه موضوع وحقير في عين نفسه
ولأنّ موسى، عليه السلام، قائد أمته، وحجة الله على عباده، وأمينه في بلاده، لم يعطِ لمعلمه وعدًا او عهدًا بل قال: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً}،
فقال: ان شاء الله، ولم يشأ الله له أن يكون صابرًا في تلك المواضع؛ (السفينة، الغلام، الجدار)، فقد جاء في بعض التفاسير أن الخضر، عليه السلام، عنده علم لا يتحمله موسى، والعكس بالعكس، فعند موسى، عليه السلام، علم لا يتحمله الخضر أيضًا، فكان السؤال لذلك.
وبرغم سؤاله وعدم صبره لم يذمه الله سبحانه أو معلمه لكنه ذكّرَه عاتبًا عليه لا زاجرًا له: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً}، فماذا نتعلم من ذلك؟
– إن بلوغك للعلم غاية صعبة المنال، لا يعني ذلك أنه محال.
– لا يجب ترك التعلّم من المعلم الذي يخرق العادة، بل يجب سؤاله عن سبب الخرق.
– أن تُسلِّم للمعلم الثقة أمرا جيد، لكن عندما يعمل للغريب العجيب لا تتردد بالسؤال، لكيلا تظلمه في نفسك أو عند غيرك.
– الغريب ليس ما تراه غريبا، بل الغريب عدم استغرابك منه.
– عندما يكون المتعلّم كثير السؤال لبلوغ الكمال، على المعلم أن يعينه على ذلك ولا يزجره بغلظة القول، أو شدة الفعل، بل يرشده لضالتهِ بليّنِ القول وطيّبه.
وفي الختام؛ كُن صابرا عند التعلم، فمن العلم ما لا يُحمل، ومنه ما يُحمل، فخُذ منه ما يُحمل، ولا تردّ الذي لا يُحمل لصعوبته، بل سَلّ صاحبه عنه، ليفك لك عقده، ويسهل عليك حمله، فليس ذا عجيب من عدم القدرة على حملِ الثقيل، إنما الغريب المُعجِّب تركك له بدون ان تُبدي غرابتك فيه بالسؤال، لرفع الإبهام، وفك الأقفال، فيكون سهل المنال والاحتمال.
