قال النبيُّ الأعظم، صلى الله عليه وآله: “يا أبا ذر: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ”.
أشار النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، في الحديث المتقدم لحقيقة مهمة، مغفولٌ عنها؛ أن الفراغ نعمة، فتخيل حياة لا تتوقف أن تُجبر على العمل المتواصل فيها دون راحة، هل يمكن أن تنعم بالسكينة والهدوء؟
من هنا نفهم لماذا يُعد الفراغ نعمة، ومن هنا نفهم أن الفراغ حين يُوظف في الاتجاه الصحيح، لا يقل أهمية عن نعمة الصحة.
ومع إطلالة العطلة الصيفية، بعد عامٍ دراسي مُجهد، فهي تمثل فرصة ذهبية، لا ينبغي أن تمر من أمامنا مرور العابرين، فكيف يتعامل الناس مع هذه الفرصة؟
ينقسم الناس في العادة إلى فريقين:
الفريق الأول: يرى العطلة مسرحاً للّهو، واللعب، والنوم الطويل.
وقد رُوي عن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، وعن أهل بيته، عليهم السلام، ما يحذر من ذلك: “ان الله ليبغض المرء يكون جيفة في الليل، بطّال في النهار”، والحديث الآخر: “إن الله يبغض الصحيح الفارغ، لا في شغل الدنيا ولا في شغل الآخرة”.
أما الفريق الآخر، فهو من يرى في الفراغ فرصةً لتطوير الذات، واكتساب المهارات، وتعلّم ما هو نافع دنياً وآخرة.
تناقلت مواقع التواصل ذات مرة قصة شاب استغل وقت فراغه في تعلم اللغة، فأتقنها في ستة أشهر.
بعبارة أخرى، يقف كل إنسان أمام مفترق طريقين:
الأول: الفراغ بلا هدف.
الثاني: التفرّغ البنّاء، وتجديد الالتزامات، ووضع البرامج الشخصية للنمو الشخصي.
هل يوجد وقت فراغ؟!
وهنا ملاحظة هامة:
لا وجود للفراغ!
ولتوضيح الأمر خُذ المثال التالي:
لو أنك لم تقرر أن تستمع أو تطالع النافع، أو تستمع وتطالع غير النافع، وفي كلا الحالين انت في انشغال، ولكن!
الأول: انشغال ايجابي قد جرى بمحض ارادتك.
أما الثاني: سلبي فُرض عليك من الخارج.
لذا قد ورد في الحديث الشريف: “إن يكن الشغل مجهدة، فاتصال الفراغ مفسدة”.
وفي حادثة مُلهمة لشاب كان يعاني من طول الوقت الذي يقضيه في المواصلات بين مسكنه وعمله، لكنه قرر أن يحول هذا الوقت المهدور إلى مشروع لحفظ القرآن الكريم، وبعد مدة، استطاع تحقيق هذه الغاية العظيمة.
هنا نطرح سؤالاً جوهرياً:
هل ملء الفراغ التزام خارجي (تكليف)، أم حاجة داخلية؟
الجواب: إنه حاجة نابعة من داخل كل شخصٍ يشعر بأمس الحاجة للتطوير والنمو.
كيف نقضي الوقت في المفيد
إذن؛ من المهم أن نخطط لعطلة صيفية مثمرة، تستطيع خلق شخصية تنشد التكامل عبر الجوانب التالية:
1- حفظ القرآن الكريم.
2- الدورات الثقافية، وهذا الجانب يجب الالتفات له واغتنامه على أكمل وجه، التفريط فيه يعني ضياع فرص توجيهية وتطويرية كبيرة.
3- المطالعة الهادفة وتحت استشارة حكيم، لأنها تشبه تناول الطعام، قد يكون هناك طعاماً مفيداً يغذي الجسم بما يحتاجه، لكن هناك طعاماً سيئاً.
4- تعلّم الأساسيات الخاصة بالمواد الدراسية، وهذه النقطة خاصة لمن يعاني المشاكل في هذا الاتجاه، وفي هذا الجانب فوائد جمة، فقد اظهرت الدراسات ان من يقرأون بانتظام خلال العطلة الصيفية يحافظون على مهاراتهم ويطورونها. فالعقل عضلة كأي عضلة أخرى، تحتاج لنشاطٍ مستمر.
5- السفر الهادف لزيارة المشاهد الشريفة، والتنزه.
لكي نُحقق بناء الذات واستثمار الفرص، لابد أن نبدأ بخطوة جوهرية، وهي؛ تحديد الهدف، فكم من أوقاتٍ ضاعت، بل كم من أعمار تبخرت بسبب غياب الهدف
6- تعلم مهارات وفنون شتّى، مثل: اللغات، أو برمجة الحاسوب، أو الكتابة بمختلف صنوفها واشكالها، أو النجارة، أو الحدادة، وأمور أخرى مشابهة.
وقد كان الإمام جعفر الصادق، عليه السلام، مثالاً في استثمار الفرص، فاستغل الفراغ السياسي بين الدولتين الأموية والعباسية، وأسّس مدرسة علمية ضمّت أربعة آلاف طالب في مختلف العلوم.
كيف نبدأ؟
لكي نُحقق ما تقدم ذكره من بناء الذات واستثمار الفرص، لابد أن نبدأ بخطوة جوهرية، وهي؛ تحديد الهدف، فكم من أوقاتٍ ضاعت، بل كم من أعمار تبخرت بسبب غياب الهدف.
لذا، ينبغي ألا يكون هدفنا من التطوير الذاتي مقتصراً على المكاسب الشخصية، بل أن يمتد ليشمل غاية أسمى؛ خدمة الدين الحنيف، والإسهام في خلق مجتمع حضاري عبر ما يحتاجه من وسائل هداية، وبنية صادقة، خالصة لوجه الله تعالى.
وفي ختام الحديث، نختم بما كان يتوجه به الإمام زين العابدين، عليه السلام، في دعائه، حين كان يقول: “واشغل قلوبنا بذكرك عن كل ذكر، وألسنتنا بشكرك عن كل شكر، وجوارحنا بطاعتك عن كل طاعة، فإن قدّرت لنا فراغاً من شغل، فاجعله فراغ سلامة، ولا تدركنا فيه تبعة، ولا تلحقنا فيه سأمة، حتى ينصرف عنّا كتاب السيئات بصحيفة خالية من ذكر سيئاتنا، ويتولى كتاب الحسنات عنا مسرورين، اللهم صل على محمد وآله، واكفني ما يشغلني الاهتمام به، واستعملني بما تسألني غدا عنه، واستفرغ أيامي فيما خلقتني له، وأذقني طعم الفراغ لما تحب بسعة من سعتك”.
