الهدى – متابعات ..
مع كل موسم امتحانات، يتجدد مشهد الاستنفار في البيوت العراقية، حيث تتقاطع مشاعر الخوف والحرص، وتظهر قصص إنسانية بين قلق الأهل وطموح الطلبة، وسط صعوبة المناهج وضغط التكنولوجيا الحديثة.
وتتحول البيوت إلى محطات استنفار هادئة، تحاول فيها الأسر إلى تهيئة أفضل الأجواء الممكنة لأبنائها الطلبة. وتظهر في هذه المرحلة صور إنسانية من العطاء والتضحية، لعلّ أبرزها ما يقوم به الآباء والأمهات من جهود مستمرة لتوفير مناخ دراسي ملائم، على الرغم من التحديات اليومية والضغوط النفسية التي ترافق هذه الفترة الحساسة.
السيدة زينب حسين، والدة الطالب محمد في الصف السادس الابتدائي، تعبر عن مشاعرها التي ترافقها خلال الامتحانات، قائلة: «كل أسرة عراقية تمر بفترة الامتحانات، تظهر فيها الضغوط التي يواجهها أبناؤها من الطلبة، وأحياناً تقال لهم عبارات سلبية قد تحطم نفسيتهم، مثل: (ما فائدتك؟ وهل ستنجح بشيء؟). أما أنا، كأم عراقية، فالحمد لله أحاول قدر الإمكان أن أتجنب هذه العبارات، رغم أن في داخلي شعوراً بالخوف الشديد على مستقبل ابني، مع أنني أعلم أنه يستطيع القراءة والمذاكرة جيداً».
وتضيف: «أتابع نومه واستراحته وفق جدول وضعته مسبقاً، وأحرص على أن يأخذ قسطاً كافياً من الراحة ليستعد ذهنياً للدراسة.
من جهته، يرى محمد أن المشكلة تكمن في أسلوب الحوار بينه وبين والدته، ويقول: «عندما أقول لها إنني قد حفظت المادة، لا تصدقني وتصر على المراجعة وتقول إنني سوف أنساها. مع أنني قد نجحت في الفصل الأول ونصف السنة. وفترة الاستراحة التي أحصل عليها قصيرة جداً، وإذا قلت لها إن الوقت لا يكفي، ترد عليّ بعبارات مثل: (أنت لا تمتلك الرغبة، وأنت شخص غير مبالٍ)».
محمد يعبّر هنا عن شعور مشترك لدى الكثير من الطلبة، إذ يشعرون أن جهدهم لا يقابل بالثقة الكافية من الأهل، رغم أن الهدف واحد: تحقيق النجاح.
وفي منزل آخر، تتحدث أم شمس، وهي أم لثلاثة أبناء، عن التحديات التي تواجه الأسر بسبب صعوبة المناهج الدراسية الحديثة، فتقول: «أبنائي الثلاثة، اثنان منهم في المرحلة الابتدائية وواحد في المتوسطة. أرى أن مناهج المرحلة الابتدائية أصبحت لا تتناسب مع مستوى استيعاب الطفل، الذي يبلغ من العمر تسع أو عشر سنوات. أضف إلى ذلك أن أبناء هذا الجيل، الذين أطلق عليهم (جيل الإنترنت)، لا يملكون الصبر الكافي للدراسة، بل يريدون إنهاء المذاكرة خلال ساعة واحدة كي يعودوا إلى هواتفهم. عقولهم أصبحت مبرمجة على السرعة، وهذا برأيي كارثة، لأننا لم نعد قادرين على السيطرة عليهم دراسياً بسبب تأثير الهاتف الذكي”.
الطالب سجاد سامر يصحبنا إلى مدرسته، ويصف الأجواء التي تسود ساحة المدرسة قبل دخول القاعات الامتحانية، قائلاً: «تعد هذه اللحظة من أكثر لحظات التوتر، إذ نراجع المادة بسرعة، وأحياناً نشعر وكأننا نسينا كل ما قرأناه. وعندما يدق جرس الدخول، تتعالى الأصوات بين من يسأل عن تعريف، وبين أصوات المعلمات وهن يوجهننا للدخول، وبين ضربات قلوبنا التي تتسارع خوفاً من طبيعة الأسئلة.
وفي سياق الحديث عن أهمية الدور التربوي والنفسي، يؤكد الأستاذ الدكتور علي محسن العامري أن للمعلمين والإدارات المدرسية والجامعية دوراً محورياً في تهيئة الطلبة والتخفيف من ضغوط الامتحانات، قائلاً: «يعد الاستعداد النفسي عاملاً أساسياً لتجاوز القلق والتوتر، خصوصاً لدى طلبة المراحل المنتهية. ويمكن التخفيف من هذه المشاعر من خلال مراجعة المواد بطريقة منظمة، وتجنب التفكير السلبي، والتركيز على المادة العلمية بعيداً عن مشتتات الذهن، مع إعداد جدول متوازن لمراجعة جميع المواضيع».
ويضيف الدكتور العامري: «من أجل تحسين الأجواء داخل قاعات الامتحان، لا بد من توفير متطلبات الراحة مثل التيار الكهربائي ومياه الشرب، وتنظيم جلوس الطلبة وتوزيع المراقبين من ذوي الكفاءة، إضافة إلى ضرورة أن تكون الأسئلة واضحة ومباشرة ومن داخل المنهج، مع توفير بيئة هادئة خالية من التوتر.
في خضم كل هذه الجهود، تظل الأسرة والمدرسة شريكتين في صناعة النجاح، وتوفير بيئة متكاملة تحفّز الطالب على الإنجاز والثقة بالنفس.
