إضاءات تدبریة

هل العقل معصوم عصمةً مطلقة؟

إن للعقلِ قوة لا تُضاهيها قوة من الخَلق المادي، فيستطيع أن يضرب ضربةً موجعة يطول ألمها، عكس اليد التي تضرب فتحمّر قليلًا ثم يختفي الألم، ويبقى الاحمرار ساعةً ثم يختفي أيضا، وقد يصل العقل إلى ما لا يصل لهُ الجسد المادي، فتراهُ يطوف بصاحبه بزحمة الحجيج وهو في منزلهِ، وقد يتعبد الجسد سنينًا صِعاب، بتعبٍ مُستطاب، فتأتي النفس البشرية بسويعة طيشٍ فتنسف تلك العبادة نسفًا!

إن العقل هو حجة الله الباطنة على خلقه، وهو إمامهم، قبل أن يفترض الله طاعته عليهم، قال الإمام الكاظم عليه السلام: “إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة، وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، عليهم السلام، وأما الباطنة فالعقول”( الكافي ج١ ص١٦).

فلولا العقل لَما صدّق أحدٌ الأنبياء، فيُصبح وجود حُجج الله الظاهرين كعدمهم، فتُعطل الغاية من الوجود، بل تنتفي، لأن الدعاوى الربانية، والكتب السماوية، إنما قُبلت بالعقل، فما أعظمه من حُجة، وذلك لو دلّ على شيءٍ إنما يدلّ على عصمتهِ، بالعصمة المطلقة، وإلا فكيف يأمرنّا الله سبحانه بإتباعه، كونه حُجة من حُججه!

ولو لم يكن معصومًا بالعصمة المطلقة بذلك، يكون الله سبحانه – والعياذُ بالله- ظالمًا لأنه أمرنا بإتباع من يُخطئ وتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرا.

فكيف صار العقل معصوما؟

 وهل لتلك العصمة من سبيل؟

صار كذلك، لطاعته لخالقهِ منذُ بدء الخلق، فعن عن أبي جعفر(الباقر) عليه السلام، قال: “لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك، ولا أكملك إلا فيمن أحب، أما إني إياك آمر وإياك أنهى، وإياك أعاقب وإياك أثيب”.  فالعقل ميزان العدل الإلهي، به الثواب لمن أطاعه، والعقاب لمن خالفه، وعصاه.

لماذا يخطأ الانسان مع وجود العقل المعصوم؟

قد يسأل سائل:

إذا كان العقل معصوما فكيف نرى ضلالة الناس، وعصيانهم، وطغيانهم؟ مثل ما نراهُ اليوم من الفكر النسوي، والمثلية، والعلمانية، وغيرها من الدخيلات على أصناف البشر؟! أليس المُفترض أن يكونوا معصومين أيضا؟

الجواب: أن يكون العقل معصوماً لا تلزم عصمتهُ، العصمة لصاحبه، وخير مثال على ذلك بعض المعاصرين للنبي، صلى الله عليه وآله، برغم مصاحبتهم له، ومعرفتهم لعصمته المطلقة، كانوا يريدون قتله.

فيكون صاحب العقل معصوماً عنما يطيع عقله، كأصحاب الأئمة والأنبياء، فسلمان المحمدي، رضي الله عنه، قد نال العصمة عندما أطاع المعصوم، وكذلك ابو الفضل العباس، عليه السلام.

إن عقول أصاحب المنظمات النسوية، الشيوعية، العلمانية، معصومة عن الخطأ، ومبرمجة على الصواب، إنما نفوسهم غير معصومة، فكثير منهم يتبع الهوى، بل ويتخذهُ ربًا من دون الله؛ {أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواه}. (سورة الفرقان، الآية43)، فيهوي إلى أرذلِ العُمر ويدفع بذلك الحُجتان فيَضل ويُضّل، وذلك بإرادته، لان الله –عزوجل- قد نصّب حُججًا ظاهرين العيان، وظيفتهم التذكير، وحُججًا مخفيين عن الأبصار، ظاهرين البيان، فتراهم يُعرِّفون لهُم الحُسَن والقبيح ويقتنعون بهِ بدونَ دليلٍ أو استدلال، بل إنهم مستيقنين بأن الذي يفعلوه خطأ، والذي يتركوه صح! ولكن، {جَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}. (سورة النمل، الآية 114).

يكون صاحب العقل معصوماً عنما يطيع عقله، كأصحاب الأئمة والأنبياء، فسلمان المحمدي، رضي الله عنه، قد نال العصمة عندما أطاع المعصوم، وكذلك ابو الفضل العباس، عليه السلام

فيكون بذلك حتى عقل معاوية بن ابي سفيان عليه لعائن الانس والجان، معصومًا، وفي ذلِك قول للمعصوم فأنظر هذهِ الرواية:

جاء في الأخبار: “أن أحدهم سأل الامام ابا عبد الله الصادق، عليه السلام، عن العقل، فقال عليه السلام: ما (بمعنى الذي) عُبد به الرحمن واكتُسب به الجنان، فقال السائل: والذي كان في معاوية؟ (يعني الحنكة والفطنة)، فقال: تلك النكراء تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل، وليست بالعقل” (الكافي ج ١ ص ١١).

فقد استوفى كُلٌ من البشر حُجَجه إلا ما ندر، فلو فرضنا أن أحدهم لم تصله دعوة الأنبياء، ولم يجد من يحرك له باطن عقله ليفكر هل سيعذبه الله؟ قطعاً لا، وفي ذلك قال العلماء ان الله سبحانه يمتحنه بيوم المحشر، بامتحان يقدر عليه، فهو القائل {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ ما آتاها}. (سورة الطلاق، الآية:7).

أما الذي لم يصله الرسول الظاهري، وقد نمى بهِ الرسول الباطني، فيُحاسبه الله إذا لم يُطِع، حتى لو لم يأتيه نبي، قال رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: “العقل رسول باطن، والرسول عقلٌ ظاهر”. (التشريع الإسلامي، المرجع المدرّسي: ج١ ص٨٧).

فحذاري تقديم تلك النفس السافلة على العقل الشريف، فالحرب الداخلية في كل إنسان قائمة منذ ولادته ولا تنتهي إلا بحينِ موته، {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً}، (سورة الإنسان، الآية2).

يعني جعلنا به الخير (العقل)، والشر (النفسي)، واعطيناه السُبُل لكسب الخير والشر، فله أن يختار أيقف مع الخير، أم يحيّد للشر، لماذا يا رب؟ {لنَبْتَلِيه}.

وبذلك نستنتج: أن لو قُتِل إبليس وكل شياطين الجن، كما سيحصل، “فيلحقه (أي إبليس) النبي، صلى الله عليه وآله، فيطعنه طعنة بين كتفيه فيكون هلاكه وهلاك جميع اشياعه”(بصائر الدرجات ص٢٧).

 قد لا يُعصم الخلق عن الخطأ، لبقاء أنفسهم التي هي مصدر الخطأ قبل خلق الشيطان، وذلك جليٌ عندكم، ففي شهر رمضان المبارك يكون الشيطان مُقيَّدا، لكن النفس التي رباها تبقى حُرة، فتراها تفعل أشد الذنوب، وأغلظها التي تعد مصدرا أوليا لإهانتهم، ففي المعصية إذلالٌ للعقل، وبعد تلك الإهانة يأتي التجرد عن الروح الايمانية، فيكون الاستخفاف الموجِب لوقوع الكُفر، فليس من حقِ أحدٍ إهانة حُجة من حُججِ الله، ولعل ذلك يكبر فيكون كبيرة يستوجب بها صاحبها النار، وإن صغرت بعينه!

عن المؤلف

سجاد كاظم

اترك تعليقا