الهدى – متابعات ..
أزمة السكن في العراق لم تعد مسألة تخطيط عمراني أو مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل تحوّلت إلى معضلة اجتماعية تعصف بملايين العائلات.
أن تعيش في وطنك من دون أن تملك فيه بيتاً، حكاية يوميَّة يرويها الملايين من العراقيين بصمت، جدران مستأجرة، وأمل معلق على قرارات قد تأتي أو لا تأتي.
كل موازنة جديدة توقظ فيهم الرجاء، وكل حكومة تشعل فيهم انتظاراً بأن يكون لهم نصيب من الأرض، ومن الاستقرار، لكن الزمن يمضي، والأوراق تتبدّل، وما يزال السكن حلماً مؤجلا.
حيدر تحسين (44 عامًا) كان أحد الذين يلتمسون يومًا بعد آخر من الحياة أن ترزقهم هذا الحلم، حلم السكن اللائق، فحسب قوله إنّ “هذه الأمْنِيَّة صرنا نتداولها في جميع مفاصل حياتنا، نعد بالنذور، عند الدعاء، وفي توصيفنا لأقصى حدود احلامنا”، مؤكداً أنّ “المعجزات تتحقق في بعض الأحيان”.
ورغم تمسّكه بخيط الأمل بتحسُّن الأوضاع، اختصر “تحسين” معاناته بجملة واحدة قالها بمرارة: “شلون أخلص؟ الإيجار كسر ظهري”.
وتساؤله البسيط وجد صداهُ لدى الخبير الاقتصادي دريد شاكر الغزي، الذي أعرب عن استغرابه من استمرار أزمة السكن، مشيرًا في حديثه إلى أن بدلات الإيجار في العراق تخضع لأمزجة المالكين أكثر مما تخضع لأيِّ تنظيم رسمي.
وأضاف الغزي: “لا يوجد سعرٌ موحّدٌ أو تسعيرة واضحة، بل تختلف الإيجارات من حيٍّ إلى آخر، وأحياناً من شارع إلى الشارع المجاور، مما يجعل المستأجر هو الحلقة الأضعف دائمًا”.
ويرى الغزي أنَّ جذور الأزمة تعود إلى الهجرة المتزايدة من الريف إلى المدينة بفعل التصحّر وتدهور الزراعة، ما تسبب بضغطٍ سكانيٍّ على المدن ورفع الطلب على الإيجارات.
وأوضح قائلاً: “حين ينتقل سكان الريف إلى المدن، يدخلون في منافسة مباشرة مع سكّانها على السكن، ما يؤدي إلى تضخم أسعار الإيجارات بشكل لافت”.
وأشار إلى أنّ الوضع ازداد تعقيداً في ظل تراجع فرص العمل، قائلاً: “في كثيرٍ من الحالات، تضطر عدة عائلات للسكن في منزل واحد بسبب البطالة، وهناك من يمتلك منزلًا لكنّه مضطر للاستئجار لأسباب اقتصادية أو اجتماعية، ومع الاستمرار في دفع الإيجار لا يستطيع ادّخار ما يكفي لشراء بيت، فتتفاقم الأزمات، وتُولد مشكلات عائليّة قد تصل إلى تفكك الأسر وتشرّد الأطفال”.
وفي ختام حديثه، دعا الغزي الحكومة إلى التدخل العاجل بتنظيم سوق الإيجارات، عبر تحديد أسعار مناسبة وفق المناطق، وفرض ضرائب عادلة، ومنح إجازات بناء للأراضي الصغيرة (أقل من 100 متر)، مشددًا على أن “وضوح القرارات وتنفيذها هو الخطوة الأولى لسد الفجوة السكنيّة وتقليل معاناة المواطنين”.
بدوره يبين المتحدث الرسمي باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي، أنّه “في ما يتعلق بواقع السكن في العراق وبحسب نتائج التعداد العام للسكان والمساكن الذي أجري قبيل نهاية العام الماضي 2024، فقد أظهرت النتائج أن هناك اكثر من 72٪ يمتلكون سكنا، وهناك 17٪ من العراقيين يسكنون كمؤجرين، فضلا عن أنّ لدينا 5٪ يسكنون في تجمعات السكن العشوائي”.
ويضيف الهنداوي أنّه “بموجب نتائج المسح الاقتصادي والاجتماعي الذي جرى أيضا في العام الماضي فقد اظهرت ان هناك نسبة اكتظاظ سكّاني في المنازل تصل الى أكثر من 26٪ في عموم العراق، أي إن في الغرفة الواحدة ينام ثلاثة اشخاص فما فوق، وبهذه الحالة يوصف الامر بالاكتظاظ”.
ويشير الباحث الاجتماعي الدكتور عدي عبد شمخي، المتخصص في التربية وعلم النفس، إلى مشهد يتكرر في حياة الكثير من العائلات العراقية التي لا تملك منزلًا، إذ تبدأ هذه الأسر كل شهر بحساب ما تبقى من دخلها بعد دفع الإيجار، باحثة عن حلول توازن بين احتياجاتها الأساسية والواقع الاقتصادي المتغيّر.
ويقول عبد شمخي: “ارتفاع الإيجارات لم يعد مجرد مسألة مالية، بل أصبح مصدر قلق مستمر للأسر، لما يتركه من أثر نفسي واجتماعي، خصوصًا في ظل غياب تنظيم واضح لسوق السكن، وازدياد الطلب على الوحدات السكنيّة في المدن الكبرى”.
ويضيف أنَّ السكن، الذي يفترض أن يكون رمزًا للراحة والاستقرار، أصبح لدى بعض العائلات تحديًا يوميًا يرتبط بالبحث عن مساكن بأسعار مناسبة، ما يدفع البعض إلى الانتقال إلى أطراف المدن أو القبول بمنازل ذات مواصفات متواضعة.
ويبيّن الدكتور عبد شمخي أنَّ القلق من عدم القدرة على دفع الإيجار في الوقت المحدد يمكن أن ينعكس على الاستقرار النفسي داخل الأسرة، ويؤثر بشكل غير مباشر في الأطفال، الأداء الدراسي، حتى العلاقات داخل المنزل. كما أنَّ الانتقال المتكرر يضعف الروابط الاجتماعية بين الأفراد والمجتمعات المحلية.
ويتابع: “هناك تغيّرات واضحة في العادات الاجتماعية أيضًا، إذ باتت بعض الأسر تقلل من الزيارات والأنشطة الاجتماعية بسبب ضيق المساحة أو تقليص النفقات، كما ظهرت حالات لهجرة داخلية نحو مناطق أقل تكلفة في محاولة للتكيّف مع الأوضاع”.
ويرى عبد شمخي أنَّ قضية الإيجارات لا تقتصر على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تحتاج إلى رؤية شاملة تأخذ بعين الاعتبار البعد الاجتماعي والسكاني، داعياً إلى إجراءات توازن بين احتياجات المواطنين وقدراتهم، بواسطة تنظيم سوق الإيجارات، وتوفير بدائل سكنية مدروسة تلائم مختلف شرائح المجتمع.
ويختتم بالقول إن “السكن حق أساسي، وتوفيره بطريقة ميسرة ينعكس إيجابًا على الاستقرار الاجتماعي والنفسي، وهو عنصر مهم في دعم التماسك الأسري داخل المدن والمجتمعات المحلية.
أما الخبير الاقتصادي ضياء المحسن فيبيّن لنا رؤيته في هذا الخصوص ويقول: إنّ “مكاتب الدلالية وطريقة استغلالها للمستأجر، هي ظاهرة مهمة وتلامس شريحة واسعة من الناس للأسف، خاصة مع وجود تذمر لدى المواطن من هذه الممارسات لبعض مكاتب الدلاليّة، خاصة في ما يتعلق بعمولات الإيجار، من هذه المشكلات ارتفاع قيمة العمولة التي يتم فرضها على المستأجر والتي تصل في بعض الحالات لأكثر من شهرين من قيمة ايجار العقار، فضلاً على عدم الشفافية في إعلام المستأجر بقيمة العمولة بوضوح منذ البداية، واستغلال حاجة المواطن للسكن ومن ثمَّ يتمُّ فرض شروط غير عادلة، لكن المستأجر مضطرٌ لأنّه بحاجة للسكن”.
ويشير المحسن إلى أنّ “البعض من الدلالين يعمل على رفع بدلات الإيجار، وهذه المشكلات بمجملها تزيد من معاناة المستأجرين الذين يعانون بالفعل من ارتفاع تكاليف المعيشة بشكل عام والسكن بشكل خاص”.
وينصح الخبير الاقتصادي، أنّه “من المفيد تشجيع وتطوير منصات الكترونية تتيح للمستأجرين التواصل مباشرة مع أصحاب العقارات من دون الحاجة الى وسيط”، لافتًا الى أن “في العراق هناك بعض القوانين والتعليمات المتعلقة بتنظيم المكاتب العقارية وعقود الإيجار، هي قانون إيجار العقار رقم (87) لسنة 1979، وتعليمات تنظيم المكاتب العقارية لسنة 2019 والتي قد تكون بحاجة الى بعض التعديلات”.
