استيراد النموذج العلماني من الدول الغربية ومحاولة تطبيقه كليا في واقعنا الإسلامي، وبالذات في الوطن العربي باء بالفشل، لان الهوية الإسلامية تختلف في مبانيها ومبادئ اختلافا جذريا مع مبادئ العلمانية وما تدعو اليه.
ولا ننكر ان في بلداننا العربية مناصرون لما يسمى العلمانية ومؤمنون بتلك الفكرة، ولا شك ان نقاشات كبيرة وحادة جرت بين الإسلاميين من جهة والعلمانيين من جهة، سجالات امتدت الى ساحات الإعلام، وميادين السياسة، والحياة الاجتماعية.
ولعلّ أول ما يتبادر للذهن كنموذج سواء لأصحاب القرار أم الأفراد عند الحديث عن مشروع التحديث هو النموذج الغربي بما فيه من تفوق علمي وتقدم حضاري في العصر الحالي. فتلك الأضواء والمفاهيم البراقة التي يطرحها الغرب حول نفسه من تقدم وتطور، وما يُدعى من تخلف نعيشه، تجعل الأفراد في مجتمعاتنا يتخذونها كنموذج يحتذى به حالهم كحال من سكن الريف وتغريه أضواء المدينة فيسعى للتخلي عن ثقافته الريفية والسير ناحية قيم المدينة وثقافتها طمعاً في مميزاتها. وبالتالي يطرح التساؤل عما إذا كان من الحكمة اتباع المنهج الذي سارت عليه هذه الدول للوصول إلى ما وصلت إليه كمحاولة لمواكبة ركب التقدم العالمي والبعد عن هوة ام لا؟”
بين أيدينا كتاب يناقش برؤية علمية نقدية “نظرية العَلْمَنَة” يقول المؤلف: والمستهدف في هذا المقال؛ نقد رواية أو سردية (العَلْمَنَة) بمختلف أشكالها، وفي هذا النقد نسعى لغايتين:
الأولى: التحرر من أساطير وخرافات علمانية، كانت ولا تزال تؤثر على صناعة السياسات العامة في وطننا الإسلامي الكبير. وذلك أن القرارات الكبيرة ذات السياسات العامة تنطلق من رؤية أو نموذج يهيمن على صناعه، وما لم تكن هذه الرؤية والنموذج صحيحة فإن الفعل هنا يكون غير عقلاني، وينتهي إلى مشاكل أكثر مما يقدم حلولاً.
الثانية: تحرير العقل الإسلامي من هاجس (العَلْمَنَة) وما يرتبط بها من أساطير وخرافات، لتكون هي الأخرى راشدة في قراراتها الكبيرة.
وحتى لا تختلط الأمور على القارئ بدأ المؤلف بالتفريق بين أمور ثلاث كملاحظات تمهيدية للدخول الى نظرية العَلْمَنَة، يقول المؤلِّف: بات من نافلة القول في حقل العلمانية والعَلْمَنَة التفريق بين ثلاثة أمور استقرت عليها ادبيات الحقل، وميّزتها عن بعضها، لما لكل واحدة منها من دلالات والتزامات”. (ص 35).
وتلك الأمور الثلاثة:
- العلمانية.
- العَلْمَنَة.
- العلماني.
ويضع المؤلف التعريف العلمي الدقيق لكل واحد منها.
ثم ينتقل المؤلف الى نظريات العَلْمَنَة وتحليلها، ويقسمها الى اتجاهات مختلفة:
الاتجاه الأول: نظرية التحديث (Modernization).
الاتجاه الثاني: نظرية العَقْلَنَة (Rationalization).
الاتجاه الثالث: النظرية التعددية (Pluralism).
الاتجاه الثالث: نظرية التمايز (Differentiation).
وفي المبحث التالي لتقسيمات نظريات العَلْمَنَة، ينتقل المؤلف الى مجال نقدها، يقول: “واليوم، تعتبر سردية العَلْمَنَة، خصوصاً في صيغتها التحديثية والعقلانية، من الماضي الفاشل في علم الاجتماع. وتطرح نظريات التمايز والتعددية كتعديل لتلك من دون وجود ضابط واضح لها، بحيث تفقد قدرتها النظرية في التفسير والتنبؤ”(الصفحة: 66).
ثم يناقش تلك النظريات بشيء من التفصيل برؤية علمية منهجية مدعمة بالشواهد التاريخية، والحقائق العلمية.
في الختام يقول المؤلف: الدِين قادر على أن يتواكب مع التقدم في جميع مجالات الحياة، بل هو في الأساس أول داعم لها بما يتوافق مع منهجه ورؤاه الكونية، والتي لا تتعارض مع الواقع. فوهم الخصومة والتعارض بين الدين والعلم والتقدم سيوقع المجتمعات تحت صراع لا ينتهي. ولن يجرها هذا الصراع إلا إلى الخلف دون بقية المجتمعات العالمية. فالدين قادر على خلق مجتمعات متقدمة وآمنة وفق قيم وضوابط تحافظ على إنسانيتها وتدينها.
أما نظرية العلمنة، فيمكن تلخيص الآتي حولها فيما تأملناه في شؤونها: إن نظرية العلمنة نشأت منذ ولادتها مُشرَبَةً برؤى فلسفية علمانية، وذلك لطبيعة ولادة علم الاجتماع في العالم الغربي. فكانت تفسيراتها بالضرورة منحازة انحيازاً سلبياً، لأنه انحياز غير ناقد لمبانيه.
هذا المؤلَف يستحق القراءة في جوٍ يسوده الشحن الفكري البعيد عن الرؤية العلمية للأمور من بعض الأطراف، سواء كانت علمانية، ام إسلامية خصوصا في بيئتنا العربية والإسلامية.
يمكن الحصول المؤلَف من المكتبات:
العراق: مكتبات دار البصائر.
الكويت: مكتبة إيليا.
إيران: مكتبة طريق الهدى.
