الفلافل والهمبرغر والكباب والمندي، أطعمة لذيذة عند البعض لأنها تكون في أجواء محفوفة بالارتياح والانبساط مع الأصدقاء في أماكن يحرص أصحابها على أن تكون واحات سياحية مليئة بالعشب والنافورات والاضواء الجميلة وسائر الخدمات المغرية.
ونحن نتحدث عن فوائد مائدة الطعام داخل الأسرة، نشير الى هذا الواقع الموجود بغض النظر عن صحته او سقمه، وما له من أسباب ذاتية (عند الفرد)، وأخرى أسرية تختص بطريقة تعامل الأبوين وافراد الأسرة فيما بينهم، مما يدفع البعض للبحث عن البديل لقضاء أوقات أكثر ممتعة لتناول الطعام، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الرغبة بحد ذاتها أمرٌ مشروع وطبيعي مغروز في مشاعر وفطرة الانسان، كون الطعام والشراب أمرٌ محبب الى النفوس، فيحتاج لأجواء طيبة تتناغم مع هذه الغريزة الطبيعية.
الوجود الأبوي على المائدة
شريحة واسعة من الناس –في العراق وفي كل مكان- تعاني من صعوبة اكتمال عدد أفراد الأسرة على مائدة الطعام، لاسيما في فترة الظهيرة والمساء بسبب الانشغال الوظيفي، ونعني بالدرجة الأولى؛ الأب والأم، فبعد الأب المنشغل اساساً بالعمل من الصباح وحتى المساء، فمن المتعذّر عليه حضور مائدة الغداء مع أفراد أسرته، نلاحظ اليوم أعداد لابأس بها من الأمهات يسجلن هذا الغياب عند أبنائهم، فيحصل التشضّي بين من يتناول وحده في زاوية المطبخ، وبين من ينهي الموضوع على الرصيف بالوجبات السريعة، او حتى داخل المدرسة والجامعة، الامر الذي يدعونا لبذل مزيد من العناية والاهتمام لتحديد وقت خاص لهذه المائدة المباركة ليجتمع عليها الافراد مع الأم بعد نهاية الدوام، ولا يهم أي ساعة تكون، إنما المهم تحقيق هذا الاجتماع الهام بين افراد الأسرة الواحدة.
إن الأشخاص الذين يكثرون من تناول الطعام في جو أسري يميلون الى تناول وجبات غذائية أفضل، وإن أطفال هذه الأسر يميلون ايضاً الى الاهتمام أكثر بواجباتهم المدرسية
إنّ وجود اللُحمة الطيبة في مائدة الغداء بين الولد الصغير والبنت الشابة والولد الجامعي، مع وجود الأم من شأنه تهيئة الأجواء الدافئة لمائدة العشاء بحضور الأب مع جميع افراد العائلة، والمطلب ليس بالسهل قطعاً؛ فالجوع لا يرحم الطالب في المدرسة وفي الجامعة، الامر الذي أوجد لنا مطاعم وجبات سريعة في الجامعات وحتى بعض المدارس لسد هذه الحاجة الملحّة، بيد أن طعام البيت على مائدة الحب والمودّة يستحق العناء وبعض التحمّل، مع تهدئة صيحات المعدة ببعض الأطعمة الخفيفة، لتحاشي الآثار السيئة للأطعمة التجارية على الصحة، فيما سنشير اليه لاحقاً.
البدانة ثمرة الابتعاد عن المائدة البيتية
أجرى باحثون في جامعة روجرز بولاية نيوجرسي الأميركية حول علاقة البدانة بتناول الأطعمة خارج البيت، وتوصلوا الى أن الأطفال الذين يعيشون في بيوت تجتمع فيها الأسرة بانتظام حول مائدة الطعام، يميلون لتناول الفاكهة والخضار أكثر من أولئك الذي ينشؤون في بيوت لا تركز على أوقات الطعام المعتادة، فيكونوا أقل احتمالاً لزيادة الوزن.
وتقول جينفر مارتن بيغرز، المتخصصة في علوم التغذية بهذه الجامعة: إن الأشخاص الذين يكثرون من تناول الطعام في جو أسري يميلون الى تناول وجبات غذائية أفضل، وإن أطفال هذه الأسر يميلون ايضاً الى الاهتمام أكثر بواجباتهم المدرسية. (لا للقلق نعم للطمأنينة- بسام حسن خضرة).
فوائد صحية وأخرى معنوية ونفسية تمنحنا إياها هذه المائدة الصغيرة في ظاهرها، والكبيرة في آثارها الإيجابية، فهي ليست هذه القطعة البلاستيكية الصغيرة، التي هي الأخرى طالها التطور وحياة السرعة هذه الأيام، فأصبحت من النوع “السفري”، تجمع بقايا الخبز والطعام وتُلقى في القمامة، بقدر ما هي قطعة مقدسة تجمع الأنفس والقلوب والأذواق حول آداب وأخلاق سامية، وهذا يفسر لنا أهمية المائدة في روايات أهل البيت، عليهم السلام، وفي المقدمة الحديث المروي عن رسول الله، صلى الله عليه وآله: “ما من رجل يجمع عياله ويضع المائدة فيسمّون في أول طعامهم ويحمدون في آخره فترفع المائدة حتى يُغفر لهم”.
