عندما كان الامام الصادق عليه السلام يتبوأ مقام الإمامة، كانت السلطة الاموية تترنح تحت ضربات الثوار الطالبيين من جهة، وتمرد أبناء الامة عليهم بشكل عام بسبب ظلمهم وطغيانهم من جهة أخرى، وكان اعداؤهم العباسيّون يتهيؤون لاستلام السلطة في العالم الإسلامي.
الإمام الصادق، عليه السلام، عاش في زمن انتقال السلطة من حكومة الامويين المهزومة، الى قبضة العباسيين الفولاذية، الذين طالما نادوا الى: (الرضا من آل محمد، صلى الله عليه وآله) ولكنهم ما إن استولوا على السلطان حتى نكثوا بمواعيدهم، ولحسوا شعاراتهم، واستنّوا بسنة سلفهم غير الصالح في معاداة أهل البيت، عليهم السلام، واعتبروهم اعداءهم، نظرا الى أنهم ادعوا ما ليس لهم واستولوا على مقامات هي لأهل البيت أساسا.
لكن قوة شخصية الإمام الصادق، عليه السلام، بعظيم مهابته، وغزير علمه، وصلابة مواقفه، ومتانة حنكته، وعميق حكمته، فرضت جلالها واحترامها على كل أركان الدولة، ورسّخت قوائم الإمامة، فإذا هي مهابة طأطأ لها الخليفة العباسي السفّاح ـ الذي سرعان ما طواه الموت ـ وخشع لها م حيث يريد او لا يريد خليفته المنصور الذي ثبّت قوائمَ حكمه في بئر من دم، وجرينٍ من دجل، وميثاق مقطوع، ووعد مكذوب.
وفي مواجهة حكومة العباسيين التي كانت أقسى من حكومة الأمويين ظلم وفتكاً بحق أهل البيت، وأكثر منها عطشاً إلى إراقة دمائهم، وأشد إصراراً على إفناء الطالبيين، فإن الإمام الصادق استخدم الحزم في أمره، والصلابة في متانته، واتخذ مواقفه بحيث لا يذوب أحد من أصحابه فى سلطان العباسيين، ولا يفنوا تحت حوافر خيولهم، لتستمر الإمامة تؤدي دورها في هداية العباد، والحفاظ على دين رب العباد.
لقد كان الإمام على يقين من أن حياة الأمم وقوامها بالإيمان، وفلاحها بالتقوى، وأن الاستمرار فى نشر البصائر الإلهية مع الثبات على الحق، والتمسك بالحقيقة، والدفاع عن الحقوق، وعدم التراجع عن المبادئ هو الكفيل بتحقيق الأهداف الكبرى لرسالة سيد المرسلين، صلى الله عليه وآله.
كما كان الإمام على يقين من أن للباطل جولة، وأن للحق دولة، وأن جولة الباطل ساعة، بينما دولة الحق إلى قيام الساعة، فلم يتخذ مواقفَ متسرعة قد تؤدي إلى إبادة الحق وأهله، فبنى نشاطه على أساس توعية الأمة وبنائها الروحي ودفعها إلى الاهتمام بالعلم، وكشفها لطاقاتها المادية والروحية، بعيداً عن الانزلاق إلى التعاون مع الظالمين، والمشاركة في ظلمهم وعدوانهم.
الرؤية الحضارية قبل السياسية
ولذلك فإن الإمام مع أنه لم ينشغل بمفردات العمل السياسي اليومي، إلا أنه انشغل عن ذلك ببناء أسس الحضارة على قوائمها المتينة.
العلم الذي نشره الإمام كان من صلب حاجة الأمة، بل كان جل حاجتها، لأن الجهل لا يُقيم أمةً ولا يبني حضارة
وفي بصائر الإمام فإن الحضارة أهم من السياسة، والعلم أهم من السيف، وترسيخ الإيمان في النفوس أهم من اكتساب القوة، وإن العلم هو الباني الأول والأفخم للمجتمع السليم.
فالدنيا التي يحصل عليها المرء عن طريق الظلم والعدوان لا تكسبه دنياً ولا آخرة، وإن السيف لا يصنع حقاً، والقوة لا تبنى أمة، والمال لا يصنع حضارة سالم يقترن كل ذلك بالعلم والأخلاق والالتزام بالمثل والقيم، وببناء الأمة على اساس سليم.
إن بناء الحضارات هو في الأساس بناء للإنسان، ونشر العلوم والتبصر بالعارف، وتأسيس المدارس وتربية العلماء، وهكذا جاءت تعاليم الإمام الصادق، عليه السلام، لتؤكد للناس أمرين: طلب العلم، والعمل به.
يقول عليه السلام: أُطْلُبُوا الْعِلْمَ وَلَوْ بِخَوْضِ اللُّجَجِ وَشَقِّ الْمُهَجِ”.
ويقول: “الْعَامِلُ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقِ، فَلَا تَزِيدُهُ سُرْعَةٌ السَّيْرِ إِلَّا بُعْداً”
وعن العمل بالعلم يقول: لا يَقْبَلُ اللَّهُ عَمَلًا إِلَّا بِمَعْرِفَةٍ، وَلَا مَعْرِفَةً إِلَّا بِعَمَلٍ فَمَنْ عَرَفَ دَلَّتْهُ الْمَعْرِفَةُ عَلَى الْعَمَلِ، وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ فَلَا مَعْرِفَةَ لَهُ، أَلَا إِنَّ الْإِيمَانَ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ .
لقد كان الإمام الصادق من أعظم من اهتم بالعلم، وأول من رأى ضبطه بالتدوين، وأول من اعتبره إرثا وأوصى به موروثا مع تعاقب السنين. لقد كانت السياسة عند الإمام مقرونة بأمرين مهمين:
الأول: الاهتمام بشؤون الناس والدفاع عن حقوقهم.
الثاني: بناء الحضارة.
وكان اهتمامه بشؤون الناس سواء الحقوقية، أم الروحية، أم المادية، من أهم ما حمل على عاتقه من مسؤوليات، باعتبار أن الحياة نعمة الله لخلقه، ولا بد للناس أن يعيشوا في الدنيا أحراراً، وينعموا بما رزقهم الله تعالى من نعمه، ويتخلقوا بأخلاقه. فالسياسة عنده، هي معرفة الحقيقة والعمل بالعدل، والالتزام بالحق والأخلاق، والمساواة، والعمل الصالح، والعطاء.
في بصائر الإمام فإن الحضارة أهم من السياسة، والعلم أهم من السيف، وترسيخ الإيمان في النفوس أهم من اكتساب القوة، وإن العلم هو الباني الأول والأفخم للمجتمع السليم
ومن أجل ذلك فقد حرّم التصوّف والانعزال والتظاهر بالزهد، لأن فى ذلك رهبنة ما جاء الإسلام بها. يقول الإمام: “إنَّ اللهَ يُحِبُّ الْجَمَالَ وَالتَّجَمَلَ، وَيَكْرَهُ الْبُوسَ وَالتَّبَاؤُسَ، فَإن اللَّهُ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةٌ أَحَبَّ أَنْ يَرَى عَلَيْهِ أَثَرَهَا”
قيل: كيف ذلك؟
قال: «يُنَزِّفُ ثَوْبَهُ، وَيُطَيِّبُ رِيحَهُ، وَيُجَصِّصُ دَارَهُ، وَيَكْنُسُ أَفْنِيَتَهُ، حَتَّى إِنَّ السّرَاجَ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ يَنْفِي الْفَقْرَ وَيَزِيدُ فِي الرِّزْق”
ويقول: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الْجَمَالَ وَالتَّجَمُّلَ، وَيُبْغِضُ الْبُؤْسَ وَالتَّبَاؤس
ويقول: البَس وَتَجَمَّلُ فَإِنَّ الله جَمِيلٌ يُحِبُّ الجمال، وليكن من حلال”.
التغيير الجذري
لقد كانت سياسة الإمام على النقيض من سياسة حكام الجور التي كانت تقوم على امتصاص خبرات الناس، وسفك دماء الأبرياء، ونهب ثروات الأمة والاستبداد بالرأي، ومصادرة الحقوق.
كانت سياسته قائمة على إثارة العقل، وإقامة العدل، واسترداد الحق، ودفع الناس إلى نظام يقوم على التعاون واحترام الآراء، ولم يكن من الممكن – في ظل الظروف الصعبة التي عاشها الإمام، مع حكومة أطلت على الناس بالسيف والقتل والسجن والإبادة – أن يقوم بتغيير جذري على مستوى الأمة في فترة زمنية قصيرة، لتطبيق كل مبادئه في مجال السياسة والاجتماع والاقتصاد، فقرر القيام بسياسة حكيمة، تقي خط الدِين الصحيح من الإبادة، وتوسّع قواعدها في الأمة، وتقيم للناس مدرسة متكاملة النشاط لكل ما تحتاج لبنائها وتقدمها.
فالعلم الذي نشره الإمام كان من صلب حاجة الأمة، بل كان جل حاجتها، لأن الجهل لا يُقيم أمة ولا يبني حضارة، وإذا كان بعض المؤرخين ينسبون التقدم الحضاري للمسلمين إلى الحكام، فإن الحقيقة كانت غير ذلك تماماً، ومن يدرس اهتمامات الحكام وانشغالاتهم اليومية من جهة، ويدرس اهتمامات الأئمة من أهل البيت، وخاصة الإمام الصادق وانشغالاته اليومية؛ يكتشف أن الحكام لم يكونوا يعرفون فناً من الفنون إلا فن التربع على الكراسي المغموسة أعمدتها في الدماء، والتوغّل في الشهوات، والاعتماد لتثبيت حكمهم على السيف حيناً، والدينار والدرهم حيناً آخر.
لقد كان الإمام على يقين من أن حياة الأمم وقوامها بالإيمان، وفلاحها بالتقوى، وأن الاستمرار في نشر البصائر الإلهية مع الثبات على الحق، والتمسك بالحقيقة، والدفاع عن الحقوق، وعدم التراجع عن المبادئ هو الكفيل بتحقيق الأهداف الكبرى لرسالة سيد المرسلين
من هنا اهتم الإمام الصادق عليه السلام، بهذا الأساس؛ لكي يصلح السياسة من جذورها، فإن ما ينفع في ذلك هو العلم والمعرفة والبصيرة والتعلّم والتفكّر، فبذرة الحضارة هي العلم والمعرفة والبصيرة، ومن دون ذلك فإن كل ما يمكن أن يبني فهو مجرد مظاهر زائفة، وليس فيها شيء من التحضر.
وفي الوقت الذي كانت الحكومات المتعاقبة على سدة الحكم تعتمد في سياستها على تفريغ الجوامع البشرية من العلم، وعزلهم عن مصادر المعرفة، وإبعادهم عن العلماء الصالحين، فقد كانت سياسة الإمام القائمة على نشر العلم في أوسع نطاق، ولمّ الناس حول العلماء، وبث المعرفة، وزيادة البصيرة، وإثارة العقل والوجدان والفطرة في النفوس
_____________
سماحة آية الله السيد هادي المدرّسي، كتاب ذلكم الإمام الصادق عليه السلام (ج1).
