ذهبت في أحد الأيام إلى الجامعة التي تخرجت منها توا لأخذ تأييد تخرج يثبت أنى كنت ملتزم طيلة الأربع سنوات دراسية بعد أن طويت رحلة علمية في أحد مجالات الهندسة فقدمت طلب تأييد بصحبة المستمسكات الثبوتية، تأخرت ورقة التأييد لأنها تمر بسلسلة مراجع أشبه بعملية قيصرية من القسم الى العمادة مرورا بالأمور الإدارية الأخرى، فانتظرت انا ومجموعة طلبة حوالي ساعتين، وفي هذه الأثناء قال أحد الطلبة عبارة أثرت في وهي “والله الانتظار صعب” بسبب انتظاره هذه المدة.
فلفت انتباهي هذا الموقف وقلت في نفسي إذا كنا لم نتحمل هذا الانتظار لهذه الدقائق المعدودة فكيف بالأمور الأكثر أهمية كيف بالصبر على الأذى كيف بانتظار ذلك الموعود وبذلك الامل، فقد حثّت الروايات الشريفة أننا مأمورون بالصبر، “فالصبر من الايمان كمنزلة الرأس من الجسد”، قال الإمام الصادق، عليه السلام، وعنه أيضا: “نحن صبر وشيعتنا اصبر منا فقيل لماذا قال لأن شيعتنا يصبرون على ما لا يعلمون”.
فاذا كنا مأمورين بالصبر من جهة، ومأمورين بالعمل والسعي من جهة أخرى، وليس للركود والأحجام سبيل فنجلس ونقول: نحن منتظرون ذلك الامل فحقا سيكون ذلك علينا صعب، بل لا فائدة منه، لكن اذا ما كان امل الانتظار هذا معقود بالانتظار الإيجابي والصبر على تحصيل النتائج التي يصاحبها العمل والإعداد، وهذا ما جاء في حديث رسول الله، صلى الله عليه وآله: “افضل اعمال أمتي انتظار الفرج” وهذه إشارة واضحة أن الانتظار ليس احجام، بل اقدام ليس ركودا بل عملا وهذا مرتبط بما يثبته الإنسان من محورية، فيقول في ذلك الإمام الصادق (عليه السلام): “الإيمان عمل كله والقول بعض ذلك العمل”.
وهنا يعطينا الامام عليه السلام رؤية مختلفة عن الانتظار إذ يتحول الى عمل وحيوية، ويعطينا رسالة مفادها أنه لابد من العمل والسعي وتوفير البيئات للأعمال خصوصا الجماعية فيقول الله في كتابه: {وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون}. (سورة التوبة، الآية: 105)
ورسالة أخرى أن أكثر أصحاب المشاريع قد يستعجلون النتائج فترى الإنسان يجتهد ليفتح شركة تجارية ولكن بعد مدة قصيرة تتراجع هذه الشركة وقد تفشل لأنه يستعجل النتيجة بينما الصحيح كما يقال في المثل (إن العافية بالتدريج والتدرج).
وعلى الإنسان أن يجتهد في تكليفه وهو العمل ويدع النتائج على الله فالله هو من تكفل بالنتائج، واخيرا وهنا التفاتة مهمة هي أن العامل بتكليفه حسب اختصاصه وحسب مكانته ودوره هو من سيكون شريكا في النجاح، أما العكس فان احجام الإنسان يمنعه اصلا من الحصول على لذة تلك النتائج الكبرى، لأنه لم يكن شريكا فيها أو استعجل النتائج ففشلت تجارته والمطلوب أن الإنسان يطير بجناحي الصبر من جهة والعمل الدؤوب من جهة أخرى لكي يكون هو صاحب الريادة وشريك النجاح.
