بمرور الزمن تعددت أسباب انجذاب الناس الى مدينة الامام الحسين، عليه السلام، ولندع الأسباب الظاهرية جانباً، من؛ شوارع مضاءة وجميلة، وحدائق غنّاء، ومطاعم فاخرة، ونشاط تجاري متزايد، الى جانب زيارة مرقد الامام الحسين، عليه السلام، وهي النيّة الأولى في قلب كل زائر، ونبحث في الأسباب المعنوية غير الظاهرية التي ميّزت هذه المدينة عن سائر المدن المقدسة في العراق، بل وفي العالم أجمع، وليعرف أهالي المدينة قيمة مدينتهم، وما عليهم من واجبات اتجاهها، واتجاه صاحبها.
كربلاء المقدسة على ألسن العراقيين بمختلف انتماءاتهم، وعلى ألسن غير العراقيين الوافدين للزيارة من شتى أنحاء العالم، يقولون: لا نرتاح سوى في كربلاء المقدسة، وأول ما يُوسم هذه المدينة؛ العطاء، وكانت البداية أيام زمان، بالماء (السبيل) في ستينات وسبعينات القرن الماضي، ثم تطور الأمر الى الطعام في الزيارات المليونية، ثم في ليالي الجمعة على مدار السنة، وثم طوال أيام السنة بفضل المضائف التي تشرف عليها العتبتان المقدستان؛ الحسينية والعباسية، وفي خطوة متطورة؛ جاءت الخدمة الصحية، وظهور مستشفيات ضخمة ومتطورة جداً، وبأسعار تنافسية، واحياناً بالمجان، بل حتى العطاء للسائلين في الشوارع، مما اثار جدلاً حول مصداقية هذه الشريحة التي وجدت في الانتشار في التقاطعات، والأسواق، مكسباً مادياً هائلاً، وهم على الأغلب قادمين من مدن مختلفة في العراق، ثم فوجئنا بوجود افراد من دول مجاورة!
ليس هذا فقط، فإفطار شهر رمضان المبارك الى جانب الامام الحسين! حتى تناول العشاء قبل او بعد الزيارة، وحفلة تخرج الشباب والشابات في منطقة ما بين الحرمين الشريفين، وعقود الزواج، حتى الصور التذكارية، فربما لا يكاد مواطن عراقي، لاسيما من شيعة أهل البيت، يتوفاه الله –تعالى- ولا ينشر صورة له مع قبة الامام الحسين، او أخيه أبي الفضل العباس.
ما الذي يجده كل هؤلاء في مدينة الامام الحسين، يا ترى؟
ولماذا لا نجد هذه الظاهرة في مدن مقدسة أخرى؟
ربما لا نجانب الصواب إذا ربطنا بين هذا الانجذاب الروحي والمعنوي، والتأكيدات المستفيضة من أئمة أهل البيت، عليهم السلام، على زيارة الامام الحسين دون سائر الأئمة المعصومين في مناسبات عديدة خلال السنة، والفضل يعود –طبعاً- الى خطباء المنبر الحسيني طيلة عقود من الزمن، ومن خلفهم علماء الدِين، في نشر ثقافة الزيارة هذه، وما لها من الأجر والثواب، ثم الانعكاسات المباشرة على حياة الزائر طوال حياته.
ولمن يتمعّن في كلمات زيارة الإمام الحسين، عليه السلام، سواءً زيارة وارث، وهي السابعة من الزيارة الواردة في كتاب مفاتيح الجنان، أو زيارة عاشوراء الموصى بها من العلماء والصالحين، نجد أنها تتضمن المصيبة، والقتل، والتولّي والتبرّي، والمواساة بأن “يا ليتنا كنا معكم”، كما تتضمن عصر ظهور الامام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، الى جانب مضامين إنسانية وعقدية تدعو للسمو والتكامل، فهي منظومة معرفية متكاملة تغني الزائر بما يحتاجه في حياته المادية والمعنوية، فهي تجعله كيف يعيش وكيف يموت، أسوة بأصحاب الامام الحسين الراقدين الى جواره.
لمن يتمعّن في كلمات زيارة الإمام الحسين، عليه السلام، سواءً زيارة وارث، وهي السابعة من الزيارة الواردة في كتاب مفاتيح الجنان، أو زيارة عاشوراء الموصى بها من العلماء والصالحين، نجد أنها تتضمن المصيبة، والقتل، والتولّي والتبرّي، والمواساة بأن “يا ليتنا كنا معكم
تبقى مسألة واحدة فقط فيما يتعلق بزيارة مدينة الامام الحسين، عليه السلام، وهي “استراحة الزائرين” من تعب الطريق ومشاق السفر، لاسيما الأماكن البعيدة، وهذه الخاصّية ايضاً مما حباها الله –تعالى- لزائري الامام الحسين بشكل لا محسوس، فجميع الزائرين لا تحلو لهم الإقامة والسكن إلا في مدينة كربلاء المقدسة، بما يعني أن الزائرين يطلبون من الإقامة؛ استعادة ما فقدوه من الحيوية والنشاط ليقوموا بمناسك الزيارة بأفضل وجه ممكن، مع انقطاع كامل للقلب والنفس عن كل شيء سوى الامام الحسين، وقضيته ومصابه.
هنا علينا إجراء مقارنة بين مضامين وبركات هذه الزيارة، وبين مسألة الإقامة او الاستراحة، كم تكون نسبة الاهتمام لكيلهما؟ يفترض أن تكون للمضامين والدلالات؛ تسعين بالمئة –تقديراً- يبقى عشرة بالمئة للثاني، لأن الناس جميعاً لديهم دور ومساكن في مدنهم وبلادهم، وحتى مطاعم وحدائق، ولم يأتوا من الصحاري القفار، او من الغابات، بينما الذي يفتقدوه؛ مرقد الامام الحسين فقط ولا غير.
إن مدينة كربلاء المقدسة، وعلى بقعة جغرافية واسعة ربما تصل الى قطر سعته عشرة كيلومتر، مسرحاً لقتالٍ ضارٍ سقطت فيه الرؤوس والأيدي، وقد انتشرت فيها الأشلاء والدماء والسهام والرماح، كما شهدت أرضها حادثة مريعة أخرى، وهي سبي نساء رسول الله، صلى الله عليه وآله، من ارض المعركة، وهي اليوم المدينة القديمة باتجاه الكوفة، وهذه الحقيقة التاريخية لن يغيرها شيء مهما علت مباني الفنادق، وازدحمت السيارات الحديثة، وكثرت المولات، والأسواق التجارية، ومراكز الترفيه.
