إضاءات تدبریة

صفات العاقل في القرآن الكريم.. الصبر سعادة في الدنيا وفوز في الآخرة

{وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ}.

في مقال سابق تم الكلام عن بعض صفات العاقل في القرآن الكريم، وفي هذا المقال تتمة لبقية الصفات.

استثارة العقل بحيث يفض العقل نفسه، ويستخرج كوامنه وإشعاعاته، فهو مصبح نيّر، ولكنه موجود في عيبة مظلمة سوداء، لان العقل يضيء لكن يستره ما حوله من شهوات، ووساوس، كثير من الحُجب.

وتبقى إرادة الانسان هي الفيصل، فالإنسان بمقدوره ان يخترق الحُجب، ويتجاوز لشهوات والاهواء، ومن ثم يستضيء بنور العقل.

والذي يساعد في استثارة العقل مجموعة من الصفات وهي تعكس حقيقة العقل، وتعكس كيف ان بعض الناس هو بصير ظاهرا، لكنه اعمى في الواقع، لديه عقل لكنه لا يستفيد منه.

ولان الانسان يحب نفسه ويقدسها يظن انه عاقل، وان آراؤه صحيحة، وان طريقه مستقيم الى الله، وبعضهم لا يكتشف الحقيقة إلا حين الموت، وكما قال للملائكة: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}.

وبناء على ذلك فالإنسان المؤمن بحاجة الى مجموعة مقاييس واضحة حتى يعتمدها ليعرف أنه فعلا من ذوي العقول والألباب، أم أنه من أولئك القوم الذين يحسبون انهم يحسنون صنعا، وهم في ضلال، فالبعض يعتقد انه مع الحق لكنه في ضلال، وهذه مسألة خطيرة جدا.

القرآن الكريم يبيّن صفات حقيقية للعاقل ومن يهتم بها ويسعى الى الالتزام بها يحظى بعاقبة حسنى، فالعاقبة هي الجنة، فمن صفات المؤمنين في الجنة أنه مطهرين، {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} ذلك الشراب لا يطهر الجسم وحسب بل الروح أيضا، فتصير روحا شفافة، فأهل الجنة لا بغضاء ولا حقد بينهم، وأي صفة سيئة هم خِلوٍ منها، وأكثر من ذلك أن الله تعالى يسنيهم سيئاتهم، بحيث يكون تاريخهم أبيض ونظيف.

لذلك فأولي الالباب يسعون للحصول على تلك المرتبة السامية في الجنة، ويضعون الهدف وهم في الدنيا؛ أنهم لابد ان يصلوا الى الجنة، ومهما كانت الظروف فهم لا يتخلون عن ذلك الهدف.

الإنسان المؤمن بحاجة الى مجموعة مقاييس واضحة حتى يعتمدها ليعرف أنه فعلا من ذوي العقول والألباب

{وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} هذه الدنيا التي نعيشها ليست نورا كاملا، ولا ظلاما دامسا، وإنما خليط بين الاثنين؛ من الليل والنهار، والخير والشر، والمرض والصحة وما اشبه، ولكل شيء من النور والظلام جنود، والمؤمن يسعى لان يغلب جنود النور في داخله على جنود الظلام.

فجنود الظلام تزداد بالغِيبة، وأكل مال الحرام، او الغفلة عن الصلاة او عمل أي سيئة، وحتى يتغلب المؤمن على جند الظلام، لابد عليه ان يستغفر الله، ويعمل حسنةً في حال اقتراف سيئة، حتى يغطي تلك السيئة.

في وصية النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، لابي ذر: إذا عملت سيئةً فاعمل حسنة تمحها”، وأيضا في وصيته لأمير المؤمنين عليه السلام: “إذا عملت سيئةً فاتبعها بحسنة تمحها سريعا”.

{وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} فمعنى الدرء يعني الدفع، فكأن السيئة هجمت وفي هذه الحالة لابد من دفاع، وهنا يكون عبر عمل شيء حسن، فالمريض حين يهجم عليه المرض يذهب الى الطبيب ليصف له علاجا يدفع عنه ذلك المرض.

من تطبيقات هذه الآية الكريمة؛ العلاقات مع الناس، فالعصبية قد تدفع الانسان أن يتهجم على الاخر بكلام نابٍ وسلبي، وهنا عليه ان يمسك لسانه في هذه الحالة، وأحيانا قد يلقى كلاما قاسيا من أحدهم وهنا على المؤمن ان يتحمّل، والعمل بهذه القاعدة القرآنية ــ خصوصا في المجال الاجتماعي ــ يجعل الطرف الآخر (المسيء) ينهار لأنه بهذه الطريقة هُزم نفسيا، قال أمير المؤمنين، عليه السلام: “الكلام ذكر والجواب انثى فإذا اجتمعا لحقت الفتنة”.

ويقول الشاعر:

ولقد مررت على اللئيم يسبني

فمررت ثم قلت لا يعنيني

وهذه الصفة القرآنية إذا تبلورت عند الانسان المؤمن يعيش حياة هانئة وسعيدة، وهي مرتبة عالية في الصفات الحسنة والأخلاقية.

{أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} فمن يتلزم بالصفات القرآنية يفوز بالغايات النبيلة، ويحقق طموحه.

{جَنَّاتُ عَدْنٍ} فالآية لا تقول: جنات عدن يدخلونهم فيها، بل {يَدْخُلُونَهَا} أي ان الجنة أصبحت ملكهم ولا يستأذنون للدخول اليها، وهذه مرتبة عظيمة منحها الله لهم.

{وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ} وهنا شفاعة متبادلة، فالأب يدخل الجنة بشفاعة أبنه، والعكس مع الابن، وكذلك بين الزوجة والزوج، فكل واحد يشفع للآخر.

القرآن الكريم يبيّن صفات حقيقية للإنسان العاقل ومن يربّي نفسها عليها، ويسعى الى الالتزام بها؛ يحظى بعاقبة حُسنى، سواء كان ذلك في الدينا أم الآخرة

{سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} وهنا بيان لسبب دخول المؤمن الى الجنة وهو الصبر، فكل الصفات التي التزم بها المؤمن لعلها ناشئة من الصبر، فالصبر يُفسر استلاهما من كلام امير المؤمنين، عليه السلام، انه استشراف المستقبل، فالعاقل يرى المستقبل (الجنة) فيصبر على ما يواجهه في الدنيا.

فإذا أراد الانسان المؤمن ان يزداد عقله وهو أهم ما عنده، فليطبق القاعدة القرآنية الذهبية، وهي درأ السيئةَ بالحسنة، والتي في إطارها العام نوع من أنواع الصبر الذي يجعل الانسان يعيش هانئا في الدنيا، ومن جهة أخرى يحظى بالجنة والدراجات السامية في الآخرة.

___________

(مقتبس من درس التفسير الموضوعي لسماحة المرجع المدرّسي دام ظله).

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا