قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
من شوال
عبرات وعبارات الساكني البقيع المقدس في ذكرى هدم مشاهدهم
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *عبد الرسول الفراتي
لم يعرف المسلمون كأهل بيت الرسول محمد (ص) نبلا وايثارا وعفة وشجاعة وصدقا وتواضعاً وعزة وقناعة، فلهذا البيت منزلة عظيمة في نفوس ابناء الامة، حيث عقدوا عليهم آمالهم وخلدوا بهم صفحاتهم وجعلوهم محط انظارهم واحبوهم احياءً وامواتا، انطلاقاً من الآية الشريفة: (قل لا أسئلكم عليه اجراً الا المودة في القربى).
ولقد نما هذا الحب وترعرع حتى بعد استشهادهم وشمل حتى مراقدهم ومساكنهم ورفاتهم واضرحتهم، عبر عشرات القرون ليومنا هذا حيث ضمت اباة احراراً وقادة ثواراً ورجال جهاد، وجهابذة علم كانت لهم آثار خالدة في شجاعة الموقف وصفحات مشرقة في التاريخ ولقد تصدى الكثيرون من ابناء هذا الدين لتدوين آثارهم واحياء مآثرهم وتشييد مراقدهم بجهود مضنية ومساع مشكورة خدمة للقضية الانسانية واحياء للسنة المحمدية حيث قال (ص): ( من أرخ مؤمنا فقد احياه) وبإعتبار ان هؤلاء الرجال الالهيين احياء وشهداء، ايمانا بما صدح به القرآن الكريم ( ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله اموات بل احياء ولكن لا تشعرون).
فأولئك العظام نعم الشهداء الاحياء حيث لقوا على ايدي طغاة عصرهم الوان المظالم هوان وعذاب وتشريد واغتراب وقتل وابعاد وسجن واضطهاد، فلقد اخلصوا للبشرية أعز ما ملكوا ( فالجود بالنفس اقصى غاية الجود) وحقيق على البشرية ان تخدمهم بكل ما ملكت من نفس ونفيس.
لذا كان ادنى ما يجب ان تقدمه الامة لهؤلاء القادة المظلومين اجراً وعرفاناً هو تخليد ذكراهم وتعظيم شعائرهم وتشييد مراقدهم ومقابرهم اجلالاً واكباراً لرسالة الإباء والشرف والحرية والكرامة والقيم الانسانية التي كانت معدن جوهرهم الخاص، فمراقدهم الطاهرة والشامخة التي اخذت على مر الدهور تزداد نوراً على نور بمناراتها الوضاءة واشعاعاتها الروحية وقبساتها الربانية تعد انماءٍ للروح وتهذيباً للنفس ومهوى للأفئدة وملاذاً للعاشقين وتطوافاً للعقيدة وتجوالاً للملائكة، يقصدها المسلمون باختلاف السنتهم وقومياتهم من شتى بقاع عالمنا الاسلامي ومن هذه الربوع المقدسة التي احتضنتها رياض البقيع المقدس وحياض مدينة رسول الله (ص) هي قبور قادة الاسلام من اصحاب رسول الله والمستشهدين معه وعدد من زوجات الرسول (ص) من ينتسب له بالمبنى والمعنى وخاصة قبور مراقد ائمة طاهرين واربعة من ذرية النبي محمد (ص) وهم: الامام الحسن والسبط الاكبر للنبي (ص)، والامام زين العابدين على بن الحسين، والامام محمد بن علي الباقر، والامام جعفر بن محمد الصادق (عليهم السلام) احفاد الرسول (ص) اضافة الى عبد الله والد النبي، وابي طالب عم النبي ووالد المام علي (ع) غيرهم من امهات المسلمين وزوجات النبي.
فمن غريب الامر ان تتطاول يد الاجحاف بكل تحدٍ وتعدٍ وصرامة ووقاحة على قباب ومراقد هؤلاء العظام متجرئة بالاعتداء على مقدسات الاسلام، فكان ان هدموا هذه المقامات الطاهرة والمشاهد المقدسة متناسين ما نصت عليه الآية الكريمة من اشارة واضحة الى بيوت اذن الله ان ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال، رجال لاتلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله [النور/36ـ37] ففي رواية لأنس بن مالك وبريدة نقلها السيوطي، ورد انه حينما تلا رسول الله (ص) هذه الآية الكريمة قام رجل وسأله: يارسول الله.. أي البيوت هذه؟: فأجاب النبي (ص) هي بيوت الانبياء، وعندها قام ابو بكر وقال مشيراً الى بيت علي وفاطمة (ع) متسائلاً يارسول الله هل بيت هذين منهما؟ فأجاب النبي (ص): اجل ... هذا البيت من افضلها.
فليس ثمة شك يراود ذهن كل حر وشريف ان العتبات المقدسة التي تضم رفات آل البيت هي مصداق واضح وبيّن لهذه الآيةالكريمة، بينما ترمي مجموعة منشقة عن ملايين المسلمين ان ترتكب بحق مراقد هؤلاءالأئمة الصالحين والصحابة التابعين كل هذا وتنسب لمن زارها وصمة الرفض وتهمة الشرك، كل ذلك نتيجة بعدها عن جادة التوحيد والنبوة الخالصين.
ان ما فعلته هذه الجماعة من اعتداء بحق هذه الاضرحة في الثمن من شوال عام 1344 هـ بهدم مقابر اولياء الله في البقيع المقدس وما سبقتها من غارات الفرقة الوهابية على مدينة كربلاء المقدسة عام 1216ـ 1222هـ وغيرها هي استنكار واستهتار لشعائر الاسلام وتنكيل بأئمة الدين واستهزاء بمشاعر مئات الملايين من المسلمين الذين اعتبروا مراقد وحرم هؤلاء المعصومين والصالحين منطلقاً لانتفاضات ونهضات انسانية واسلامية متعددة ومراكز لتشييد صروح الحق والخير والعدل والحرية في الامة ومعابر هدى ونور تكتسح الظلام وتبيد الديجور.
وظلت هذه المعالم حلقات وصل بين المسلمين تقوي صلاتهم وتماسكهم وتوحد عزيمتهم وأواصرهم للوقوف بثبات وحزم في الصراع المستمر مع الظلاميين وقوى الشيطان، وهذه المشاهد المنورة محطات إرواء تنهل وتسقي عشاق العلم والمعرفة قبسات وضاءة وآفاق رحيبة، وان هدأة الجوار مع رحاب هذه الصفوة ولذة الحوار مع هذه الثلة عبر نور كلامهم وبريق فضاءهم ينعش القلوب ويحييها، لذا يتحتم على كل ذي بصر وبصيرة ان يولي لهذا التراث والأثر الاسلامي كل اهتمام واعتناء والا: (من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة) [النبي الاكرم (ص)].