“ابيات وستة شعراء”
|
*طاهر محمود
روى المؤرخون ان الامام الحسين (ع) في يوم عاشوراء تمثل بهذه الابيات
فأن نَهزم فهزامون قدماً وان نُهزم فغير مهزمينا
وما ان طبّنا جبنٌ ولكن منايانا ودولة اخرينا
فقل للشامتين بنا افيقوا بكلكلة اناخ بآخرينا
اذا ما الموت رفّع عن اناسٍ تكر صروفة حينا وحينا
وقد تمثل بهذه الابيات الكثير من العظماء والثوار على مر العصور فلا يكاد يخلو كتاب يتحدث عن تاريخنا الاسلامي والاحداث التي مرت به من هذه الابيات. فلمن هذه الابيات؟
لقد وردت هذه الابيات مع اختلاف كبير في عددها وروايتها ونسبتها في امهات كتب الادب والتاريخ وقد عدّها المؤلفون على انها من عيون الشعر العربي. فقد ذكرها ابن الاثير في كتابيه الكامل في التاريخ ج(2) ص(202) واسد الغابة في معرفة الصحابة ج(4) ص(180) ووردت ايضا في السيرة النبوية لابن هشام ص 585 وفي الاستيعاب لابن عبد ربه الاندلسي ص (1261) وفي الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد ج(5) ص(524) وفي الاصابة لابن حجر العسقلاني ج(3) ص(205) وفي جمهرة انساب العرب لابن جزم الاندلسي ص(382) وفي اللهوف في قتلى الطفوف للسيد ابن طاووس ص(54) وفي الجرح والتعديل لابن ابي حاتم الرازي ج(3) ص(82) وفي الحلل في اصلاح الخلل من كتاب الجمل للسيد البطليوسي ص(444) وفي مقتل الحسين (ع) للسيد عبد الرزاق المقرم ص(263) وقد نسبت الابيات في هذه الكتب فروة بن ميسك بن الحارث المرادي وهو صحابي مخضرم مع ذكر قصة هذه الابيات مفصلة في بعض هذه الكتب فقد ذكر ابن الاثير في (الكامل) ان هذه الابيات قيلت في واقعة (الرزم) وهي واقعة جرت بين مراد وهمدان وقد ظفرت فيها همدان فاكثروا القتلى في مراد وكان رئيس همدان الاجدع بن مالك والد مسروق الصحابي وهذه القصة ولو جاءت مختصرة فانها تبين مغزى الابيات فقد جاءت مطابقة تماما لمضمونها. اما الذين نسبوا الابيات الى غير فروة فانهم لم يذكروا اي شي عنها وفيم قيلت سوى نسبتها الى اسم شاعر مع ان مضمونا يدل على انها لم تقل اعتباطا. فقد نسبت في الامالي للسيد المرتضى ج(1) ص (251) الى ذي الاصبع العدواني وفي حماسة البحتري ص(149) الى مالك بن عمر الاسدي وفي حماسة ابي تمام ج(3) ص(191) عيون الاخبار ج(3) ص(114) والشعر والشعراء لابن قتيبة الدينوري ص(450) الفرزدق بينما نرى ان الفرزدق في كتاب الاغاني لابي الفرج الاصفهاني ج(19) ص(49) قد نسبها خاله العلاء بن قرظة. اما في الحماسة البصرية ص(30) فقد اشرك مع فروة شاعر آخر في نسبة الابياته هو عمرو بن قعاس في حين ان الخوارزمي في مقتله ج(2) ص(7) لم ينسب الابيات احد وكذلك الحال مع ابن عساكر في تاريخ الشام ج(4) ص(333) وان ابي الحديد في شرح نهج البلاغة ج(3) ص(244). إن اختلاف المؤرخين في نسبة هذه الابيات بين ستة شعراء يدل على اهميتها التاريخية فضلا عن جودتها وجزالتها ومضمونها الذي يؤكد على انها قيلت في واقعة او معركة لذلك فان صحة نسبتها الاصبع العدواني ضعيفة جدا لانه كان يعد من حكماء العرب وقد توزع شعره بين الحكمة والوعظ ثم انه لم يذكرلنا التاريخ ان له واقعة تتلائم وجو هذه الابيات فتسند صحتهاه وكذلك الحال مع مالك بن عمرو الاسدي والفرزدق الذي نفى بنفسه نسبة الابياته حينما نسبها الى خاله العلاء بن قرظة وان انفراد ابي الفرج الاصفهاني (وهو من المتأخرين) بنسبة الابياته على قول الفرزدق يجعل احتمال نسبتها ضعيف جدا ولاندري من اي مصدر استقى صاحب الحماسة البصرية عندما اشرك مع فروة شاعر اخر هو عمرو بن قعاس وهو اقرب شعراء الواحدة. واكبر الطن ان الخوارزمي وابن عساكر وابن ابي الحديد اعرضوا عن نسبتها لكثرة الاختلاف فيها. بقي شاعر واحد اجمعت اهم كتب الادب والتاريخ المتقدمة على انها له وهو فروة بن مسيك المرادي والذي كانت نسبة الابياته هي الراجحة حيث كانت مطابقة تماما لوقائع حادثة (الرزم) التي ذكرها المؤرخون. فقد ذكر ابن الاثير في كامله ان رسول الله (ص) كان قد واسى فروة على تلك الواقعة بعد اسلامه والتي اثرت كثيرا في شاعرنا وهو يرى كثرة القتلى في قومه فقال له (ص): يا فروة هل ساءك ما اصاب قومك يوم الرزم فقال له يا رسول الله من ذا يصيب قومه مثل ما اصاب قومي ولم يسؤه ذلك؟ فقال له رسول الله (ص) ان ذلك لا يزيد قومك في الاسلام الآخيرا اذن فنسبة هذه الابيات الى فروة هي الصحيحة اولا: لإتفاق اكثر المورخين المتقدمين عليها ثانيا: لمطابقة مضمونها مع حادثة الرزم ثالثا لعدم ذكر اي شيء عنها من الذين نسبوها غير فروة وكان فروة قد اسلم عام الفتح ووفد على النبي (ص) مسلما فاستعمله على مراد ومذحج وزبيد وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص فكان على الصدقات وكان معه في بلاده ان توفي رسول الله (ص) فاستعمله عمر بن الخطاب على صدقات مذحج فيما بعد ثم انتقل الكوفة وسكن فيها وقد كان جميع ما ورد من هذه الابيات مع اختلاف عددها وتفاوت روايتها عشرة ابيات فكانت صورة رائعة من روائع الشعر العربي وقد احببنا ذكرها كلها لما تمتع به من جودة وجزالة
فأن نَهزم فهزامون قدماً وان نُهزم فغير مهزمينا
وما ان طبّنا جبنٌ ولكن منايانا ودولة اخرينا
فقل للشامتين بنا افيقوا بكلكلة اناخ بآخرينا
اذا ما الموت رفّع عن اناسٍ تكر صروفة حينا وحينا
فبينا ما يسّر به ويرضى ولو لبست غضارته سنينا
اذا انقلبت به كرّات دهر فالفى للالي غبطوا طعينا
ومن يغبط بريب الدهر منهم يجد ريب الزمان له خؤونا
فلو خلد الملوك اذن خلدنا ولو بقي الكرام اذن بقينا
فافنى ذلكم سروات قومي كما افنى القرون الاولينا
|
|