رأي

ديمقراطية “الأرقام الحرجة”: العراق أمام اختبار “الكتلة الأكبر” والشرعية الشعبية

يتجه المشهد السياسي العراقي نحو ذروة الهيجان والنقاش مع اقتراب الموعد الدستوري لاختيار رئيس الجمهورية الجديد، ليكلف فيما بعد مرشح الكتلة الاكبر لرئاسة الوزراء، هذا الحراك الذي يضج بالتفاوض والترشيحات، لا يفتح الباب فقط أمام حكومة جديدة، بل يفتح ملفاً أعمق حول فلسفة النظام الديمقراطي نفسه: هل تمنح “الأغلبية البرلمانية” شرعية كافية لإدارة شعبٍ نصفه لم يشارك في اختيارها؟!

وحدة الإطار وتوازنات “إدارة الدولة

استطاع “الإطار التنسيقي” أن يعيد ترتيب أوراقه ككتلة كبرى، ضاماً تحت لوائه قوى ذات وزن، مثل؛ دولة القانون، والفتح، وتيار الحكمة، والمجلس الأعلى، وحركة حقوق، ولعل الحدث الأبرز الذي عزز تماسك هذا القطب هو انسحاب السيد رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني من ترشحه لولاية ثانية، إلى خيار الأغلبية في الاطار، حيث تشير التقارير إلى تنازل السوداني عن ترشيحه دعماً لترشيح السيد نوري المالكي، في خطوة تهدف لتوحيد القرار داخل المكون وقطع الطريق أمام أي انسداد جديد.

هذا التحالف سعى لجمع نصاب قد يتجاوز 260 صوتاً، مستنداً إلى تفاهمات لتشكيل حكومة ائتلافية تضم أغلب الكتل والاحزاب الفائزة في البرلمان، ولسنا في هذا الصدد بمناقشة هذه المدد او النصاب المطلوبة لتمرير كابينة أي مرشح قادر لرئاسة الوزراء، وإنما نقاشنا في أصل العمل الديمقراطي.

من “قوة النواب” إلى “صوت الشعب

هنا نصل إلى جوهر القضية؛ فبرغم أن الإطار التنسيقي وحلفاءه يمتلكون “القوة القانونية” لتمرير الحكومة داخل قبة البرلمان، إلا أن لغة الأرقام الشعبية ترسم صورة مغايرة تماماً. هذه القوة البرلمانية الكبيرة تستند في الحقيقة إلى قاعدة “تصويتية” محدودة جداً إذا ما قيست بحجم الأمة العراقية.

لنحلل الفجوة رقمياً:

العراق اليوم يتجاوز سكانُه الـ 46 مليون نسمة، بيد ان النظام الديمقراطي الإجرائي يحصر القرار في دائرة ضيقة:

اذ من يحق لهم التصويت هم 21 مليوناً فقط من أصل أكثر من 46 مليون.

ومن هؤلاء الـ21 مليوناً، شارك 12 مليوناً فقط في الانتخابات.

والمفارقة الأكبر، أن الـ 329 نائباً الذين سيمنحون الثقة للحكومة الجديدة، حصلوا جميعاً على أصوات لا تتجاوز 5.7 مليون عراقي!

إن تسليط الضوء على هذه الفجوة الرقمية ليس دعوةً لرفض الديمقراطية أو كفراً بآلياتها النيابية، فهي تظل الوسيلة الأنسب المتاحة للبشر لتنظيم شؤون حياتهم، سلمياً، ولكن الهدف هو الاعتراف بواقعية أن هذه الأنظمة “الوضعية” تبقى ناقصة ومحدودة

واذا ما أعدنا التمعن في هذه الأرقام فإن الحكومة تحتاج الى صوت 165 نائبا فقط، أي اذا حولناها بلغة الأرقام كمتوسط لكل نائب فإن ما تحتاجه الكابية الوزارية ورئيسها للتمرير هو صوت 3 ملايين ناخب فقط لا غير، وهنا يُثار السؤال: هل بالفعل، الديمقراطية تمثل تعريفها القائل: “حكم الشعب باسم الشعب ولأجل الشعب)؟ واذا كان الأمر كذلك، من الذي يمثل بقية الشعب في السلطة والحكم؟

بين الأداة البشرية والكمال الإلهي

إن تسليط الضوء على هذه الفجوة الرقمية ليس دعوةً لرفض الديمقراطية أو كفراً بآلياتها النيابية، فهي تظل الوسيلة الأنسب المتاحة للبشر لتنظيم شؤون حياتهم، سلمياً، ولكن الهدف هو الاعتراف بواقعية أن هذه الأنظمة “الوضعية” تبقى ناقصة ومحدودة؛ فهي تعجز بطبيعتها عن استيعاب تطلعات الأمة جمعاء، وتظل عرضة للحسابات الضيقة والتمثيل المنقوص.

وحين ندرك هذا النقص الذاتي في أدواتنا البشرية، تبرز الحاجة الفطرية والضرورة العقلية لـ “العدل المطلق” الذي لا تدركه الأرقام ولا تحده صناديق الاقتراع. فالمؤمنون لا ينتظرون الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، كبديلٍ عشوائي، بل كتداركٍ إلهي لقصور النظم الإنسانية.

فحيثما تعجز “الأغلبية العددية” عن إنصاف الفرد، تبرز الحاجة لمن لا يحكم بصندوق يمثل جزء يسير لا يتجاوز عشر الشعب، بل بميزان رباني يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً، كما وعدنا رسول الله، صلى الله عليه وآله، في قوله: “حتى يبعث فيه رجلاً من أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً”. هو وعدٌ يمنح الأمل لكل البشرية، ويذكرنا بأن فوق كل “شرعية صندوق” شرعيةً كبرى للعدل والحق.

عن المؤلف

د. محمد جواد منذور/ دكتوراه في القانون

اترك تعليقا