الأخبار

“معدن الرحمة”: مشروع انساني و مسيرة طويلة من العطاء لخدمة الأيتام

الغاية الأساس في مؤسستنا؛ إيجاد الوعي الديني في شخصية الطفل اليتيم لتبقى عنده بصمة من مبرّة الرحمة، وما تعلمه من أحكام دينية وقيم إسلامية، تبقى معه طوال حياته

منذ تسع سنوات و مؤسسة معدن الرحمة التابع لتجمع الرحمة الرسالي في كربلاء المقدسة، يضخ عطاءً لشريحة الايتام، استجابة لنداء المسؤولية الدينية والأخلاقية لإغاثة أبناء هذه الشريحة من فقر وحرمان على الصعيد المادي والمعنوي.

من ناحية الحر، وعلى بعد أحد عشر كيلومتراً من مركز المدينة، وجدنا انفسنا أمام صرح انساني رائع هو قيد الإنشاء يضم مجمع خيري وثقافي يقع على مساحة دونم من الأرض، وقد تم تصميمه بشكل هندسي جميل على ثلاثة أدوار، يضم وحدات سكنية خاصة لعوائل الايتام، بواقع كل طابق؛ تسع شقق، وجناح خاص للايتام تحت عنوان “مبرّة الرحمة” كما يضم قاعات للدروس والاجتماعات، الى جانب مكتبة، وهو ينقسم الى؛ قسم للبنين، وآخر للبنات.

كما يضم المجمع؛ مسجداً في الطابق الأرضي، مع مضيف ومطبخ، وايضاً؛ مستودع لخزن المواد الغذائية حفاظاً عليها من التلف.

استضافنا الأخ أحمد كاظم الحسناوي، مدير مبرّة الرحمة لرعاية الأيتام، ليتحدث لنا عما أنجزوه طيلة السنوات الماضية، وما يتطلعون اليه في المستقبل من تحقيق اهداف كبيرة لتقديم أفضل الخدمات لشريحة الايتام، والعمل في مشروع تربوي وثقافي لبناء الشخصية الرسالية الناجحة.

طبعاً؛ قبل الشروع في تفاصيل هذا المشروع، لابد من التنويه للقراء الكرام، بأن التسع سنوات الماضية قضاها “معدن الرحمة” في بيوت مستأجرة لرعاية الايتام واليتيمات، ومنذ عامين انطلق العمل لتشييد هذا المكان ليكون الأساس والدائم للنشاطات الخيرية والثقافية للتجمع، علماً أن مشروع رعاية الأيتام كان موجوداً بالأساس في مقر تجمع الرحمة في مسجد أهل البيت، عليهم السلام، منذ تأسيسه عام 2008.

ماذا يحتاج الطفل اليتيم؟

الأخ الحسناوي وضع يده على جرح حساس في نفس الطفل اليتيم، وهي تحسسه من الآخرين المحيطين به، فبعد أن يفقد الطفل أباه، من الصعب عليه التصديق بشخص بديل يراعي مشاعره، ويهتم بشؤونه واحتياجاته، لذا تكون مهمة مؤسسة معدن الرحمة –يقول الأخ الحسناوي- صعبة للغاية لكنها تستحق الجهد في كل الأحوال، لذا “نبذل مساعينا للتقرّب من القلوب ومراعاة المشاعر واحترام الشخصية ليجد الطفل اليتيم فرصته بالانفتاح على المؤسسة وبثّ همومه، واحتياجاته، بل وتطلعاته في الحياة، المؤسسة بدورها تتكفل بإزالة جميع مشاعر القلق والخوف والتردد في نفسه، فتكون المكان الآمن لأن يعبر عن مشاعره وما يجول في خاطره”.

بناء الثقة هذه التي تعمل عليها المؤسسة بجدّ، تشمل الطفل اليتيم وعائلته في آن، “لتكون جسور الثقة بيننا وبين المجتمع بشكل عام، متينة ومستديمة لمزيد من التواصل والتفاهم وتقديم أفضل الخدمات”.

وعن الجانب المنهجي في عمل المؤسسة بين الأخ الحسناوي أن عمل المبرّة يتشعب في طريقين:

الطريق الأول: بناء الشخصية

ويصفه بالعمل الخاص مع الايتام من مرحلة الرابع الابتدائي، بناءً على دراسة علمية أجريناها لتحديد سنّ النضج الذي يتراوح بين العاشر والحادي عشر من العمر، ويستمر عملنا مع اليتيم الى مرحلة الثالث المتوسط، بتقديم برامج ثقافية اسبوعياً، علماً أننا نفتقد الى وسائل نقل للايتام، ولكن المثير للاعجاب لدينا حرصهم على الحضور بأنفسهم رغم بعد المسافة، لما يلمسوه من فوائد جمّة في هذه المؤسسة، وهذا دليل تفاعل وقناعة تامة عندهم، وايضاً لدى عوائلهم مع برامجنا الثقافية –يقول الأخ المتحدث-، بيد أن المؤسسة تسدد لهم فيما بعد أجور النقل لذهابهم وإيابهم.

وأضاف الأخ الحسناوي في سياق حديثه عن البرامج التنموية بأننا “نخلق أجواء دينية للأيتام من خلال برامج ثقافية بين فترات متقاربة، مثلاً؛ برنامجين كل أسبوع او اكثر، يتضمن دروس في الأخلاق والفقه والعقائد وكل ما يساعد على بناء الشخصية المستقيمة”، ويستطرد بالقول: بأننا “نستثمر المناسبات الدينية مثل؛ أيام شهر رمضان المبارك في إقامة المحافل القرآنية، والدعاء، والاستماع لمحاضرة دينية، كما نُحيي مناسبات الافراح والأحزان لأهل بيت رسول الله، صلى الله عليه وآله، مثل ذكرى وفاة السيدة خديجة، وذكرى مولد الامام الحسن المجتبى، عليه السلام، ونقيم الاحتفال لمدة ثلاثة أيام بدلاً من يوم واحد ليستشعر اليتيم أجواء الفرح والبهجة التي تكون مصدرها أهل البيت، عليهم السلام، وكذا الحال بالنسبة لذكر استشهاد امير المؤمنين، عليه السلام، وما يتفرع من هذا النشاط وجود فرصة لكشف موهبة الخطابة، أو الرادود الحسيني لمن يجد في نفسه الامكانية والأهلية، نفس البرامج تستمر في شهري محرم الحرام وصفر الخير، الى جانب إقامة الدورات التعليمية والتثقيفية.

الغاية الأساس في مؤسستنا –يقول الأخ المتحدث- إيجاد الوعي الديني في شخصية الطفل اليتيم لتبقى عنده بصمة من مبرّة الرحمة، وما تعلمه من أحكام دينية وقيم إسلامية، تبقى معه طوال حياته، وهذا ما يجعل الطفل اليتيم يتفاعل ويتواصل بالحضور في برامج المؤسسة ليكون له دور وتأثير في الواقع الاجتماعي، مثالاً على ذلك؛ الدعوة الى قدسية كربلاء، فان معظم المشاركين هم من خريجي هذه المبرّة.

من النشاطات الدينية لمبرة معدن الرحمة

جسور العلاقة مع عوائل الأيتام

وفي معرض إجابته على سؤالنا عما اذا كانت المؤسسة تبادر الى مد جسور العلاقة مع أولياء أمور الأيتام للتعريف بالنشاطات وبناء الثقة، قال الأخ الحسناوي: “بالتأكيد؛ انها من أولوياتنا، فنحن نقوم بزيارات لعوائل الأيتام، كما نشارك في مناسباتهم، في الافراح والاتراح، من مبدأ الإحسان، فعندما يلاحظ الطفل أن عائلته مكرمة من قبل مؤسسته فانه يشعر بالفخر والاعتزاز، وبالثقة العالية بها”.

تطمح مبرّة الرحمة لتشييد معهد تعليمي لدروس التقوية للإسهام في مساعدة الطلبة الايتام على استيعاب المواد الدراسية، لاسيما للصفوف المنتهية، مثل؛ السادس الابتدائي، والثالث المتوسط

وعن طريقة تعامل المؤسسة مع الطفل اليتيم أكد مدير مبرّة الرحمة أن منهج المؤسسة خيري بالدرجة الأولى، ولا يشترط على اليتيم شيء مقابل شيء آخر، “فنحن نعرض عليه البرامج الثقافية والتربوية، فإن حصلت القناعة والتفاعل فهو خير على خير، وإن لم تحصل فان المؤسسة متواصلة في أمر العطاء الخيري من مساعدات مالية وعينية، وكِسوة في مناسبات متعددة.

موقع إسكان دار الايتام التابع لمبرة معدن الرحمة

وفي جانب آخر من حديثه، بيّن طموح المؤسسة لتشييد معهد تعليمي لدروس التقوية، في معرض حديثه عن سعي المؤسسة للإسهام في مساعدة الطلبة الايتام على استيعاب المواد الدراسية، لاسيما للصفوف المنتهية، مثل؛ السادس الابتدائي، والثالث المتوسط.

الطريق الثاني: نشر الوعي الديني

من خلال استثمار المساجد والجوامع في الاحياء السكنية، فهي تمثل المختبر العملي لكل ما يتلقاه اليتيم من برامج في المبرات ليجعلها ضمن سلوكه وتعامله مع افراد المجتمع، او يكون هو عنصراً فاعلاً ومفيداً من خلال برامج الانضمام الى تشكيلات ايمانية مثل؛ “الصديق المؤمن” بما يتناسب مع عمره.

وما نطمح اليه؛ تأسيس مبرّة للأيتام في كل مسجد تحت رعايتنا في الأحياء السكنية يكون على شكل ملحق بالمسجد، ومن ثم ربما نتطور لأن يكون كياناً مستقلاً. الى هنا؛ توقفنا عن الحديث عن المؤسسة وبرامجها وفعالياتها، وايضاً تطلعاتها المستقبلية لبناء شريحة واعية ومثقفة من الايتام، وبقي حديث آخر من هذه المؤسسة موجه الى ذوي الأيادي البيضاء من أبناء المجتمع للإسهام في تكملة مراحل البناء، ودعم المؤسسة لتوفير وسائل النقل، مع مستلزمات أخرى تمكّنها من تقديم الأفضل في مشروع انساني وحضاري متميّز في كربلاء المقدسة، وربما ينتشر في جميع انحاء العراق، فهذه المؤسسة ترعى حالياً ثمانمائة يتيم، منهم خمسون فتاة يتيمة، تقدم لهم مختلف انواع الرعاية والدعم المادي والمعنوي، فأي مساعدة تصل الى هؤلاء يعني إضافة ابتسامة جديدة في وجوههم، وبارقة أمل لمستقبلهم.

مشاركة الأيتام في إحدى المناسبات الدينية

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا