رأي

العراق بخير ولكن!

الثقافة هي المحرك للسياسة والمال في العراق وليس العكس، فالزائر الى مرقد الامام الحسين والى المراقد المشرفة الأخرى في العراق لا يجب عدّه سائحاً كأي زائر من آسيا او أوربا محباً للتراث الحضاري العريق، والطبيعة الخلابة في العراق، حتى وإن جرى الترويج لمقولة “السياحة الدينية”

كل المؤشرات تؤكد توجه العراق نحو الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي، ولو نسبياً، بعد عاصفة استمرت اكثر من عام تخللتها مناوشات عسكرية وسياسية خطيرة بين محوري الصراع في المنطقة؛ اميركا وايران، وكان العراق –ومايزال- بحكم علاقته الوطيدة بالمحورين، يمثل إحدى ركائز هذا الصراع، و وفق “المنطق الترامبي” حالياً في العالم، فان كتاب الشكر والتقدير من البيت الأبيض للحكومة العراقية “تنفيذ” قرار نقل سبعة آلاف معتقل إرهابي من السجون السورية الى الأراضي العراقية، يمثل شهادة حسن سيرة وسلوك اميركية، ليس لحكومة السوداني المنتهية ولايته فقط، وإنما للدولة العراقية بشكل عام، بأنها تسير في الطريق الصحيح!

هذا الطريق يضم خطين متوازيين: السياسة والثقافة؛ الأول: يتجه نحو المعاهدات والشراكات الاقتصادية، والنفوذ والتأثير، لكسب المزيد من المال والهيمنة، بينما الثاني: يمثل “السلطة التشريعية” في تحديد نمط العيش والحياة التي يفترض ان يغذيها هذا المال، وهي المعادلة المعروفة في العالم، والتي حوربت طيلة العقود الماضية من القوى الاقتصادية في الغرب، ويريد الرئيس الأميركي ترامب حالياً أن يشهر مسدسه ويطلق الرصاص عليها أمام مرأى العالم، ويجعل المال هو الذي يحدد نمط الحياة، وليس الثقافة، فأهل غزة –مثلاً- يجب أن ينسوا تاريخهم النضالي، وفكرة التحرير ومساوئ الاحتلال، ويستبدلوا كل هذا بـ “رفييرا” سياحية رائعة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، كما هم سكان المدن الساحلية في اسبانيا وإيطاليا وفرنسا، علماً أنه جرّب الفكرة بنجاح في السعودية بتنفيذ مُتقن من ولي العهد، وصديقه المقرّب؛ الأمير محمد بن سلمان، الذي أطلق أيدي المستثمرين بتشييد صالات القمار، والملاهي، وحفلات الرقص على إنغام الموسيقى الصاخبة في عديد المدن السعودية.

مسار التغييرات السياسية جارٍ كما السابق على بلداننا، وتحديداً؛ العراق، وربما هذه المرة بوتيرة أسرع بحكم “الحقبة الترامبية” المحطمة لكل القواعد والأصول والحدود، تحالفات غير متكافئة، وفرض إرادة، وابتزاز، وتهديد، بيد أن المسار الثاني يحتاج في نظر قادة اميركا في الظل، الى تسريع ليواكب المسار السياسي والاقتصادي دون إزعاج، فقد خَبَر الاميركيون شعوب المنطقة التصاقهم بتراثهم، وآدابهم، وأخلاقهم، الى جانب العقيدة التي تمثل جوهر وجودهم، ونتحدث تحديداً عن العراق الذي يحرص الاميركيون بشدة على أن لا تكون لهذه العناوين أي دور مؤثر على مساره السياسي والاقتصادي، مما يعني الحاجة لتعريفات جديدة لمفاهيم اجتماعية وثقافية مثل؛ المقدس، والأخلاق، والعادات والتقاليد.

فالحشد الشعبي –مثلاً- والذي طالما أعربت واشنطن انزعاجها من وجوده في كيان الدولة العراقية، فانها ربما تغضّ الطرف عنه في رؤيتها المستقبلية للعراق، اذا حصلت عليه تغييرات مطلوبة، فان “قدسيته” –مثلاً- يجب ألا تتناقض مع ظهور جندي من هذا الفصيل العسكري في الإعلام الى جانب إعلامية غير محجبة، حتى وإن كان هذا الفصيل العسكري يمثل واجهة لمرجعية دينية، علماً أن التقرير الذي بثته قناة الأولى العراقية عن الأوضاع على الحدود العراقية – السورية، يعد عملاً مهنياً بحتاً.

نحن مطالبون بتطوير ثقافي يعزز الهوية والانتماء في مدينة كربلاء المقدسة بشكل خاص، وفي العراق بشكل عام، حتى تكون المصدر الحقيقي للقوة والمنعة أمام الآخرين

التطور سياسياً واقتصادياً مطلوب للعراق، وهو أهلاً له، بل يمثل البيئة الأصلح والأنسب من سائر دول المنطقة لأي مشروع تنموي واستثماري لعوامل لسنا بوارد الخوض فيها، ولكن! ما يهمنا أن تكون الثقافة هي المحرك للسياسة والمال في العراق وليس العكس، فالزائر الى مرقد الامام الحسين والى المراقد المشرفة الأخرى في العراق لا يجب عدّه سائحاً كأي زائر من آسيا او أوربا محباً للتراث الحضاري العريق، والطبيعة الخلابة في العراق، حتى وإن جرى الترويج لمقولة “السياحة الدينية”، فهو عنوان مهني أكثر مما هو مفهوم له جذور في الواقع الثقافي بالعراق، بينما الواقع يؤكد تحول الزيارات المليونية، وفي طليعتها؛ الزيارة الاربعينية على هوية وعنوان للعراق، الأرض، والشعب، والثقافة، والتاريخ.

نحن مطالبون بتطوير ثقافي يعزز الهوية والانتماء في مدينة كربلاء المقدسة بشكل خاص، وفي العراق بشكل عام، حتى تكون المصدر الحقيقي للقوة والمنعة أمام الآخرين، وقبل هذا؛ نكون قد وظفنا كل الإمكانات الحديثة المتوفرة لتحقيق هذا الهدف المنشود، ولتكون التكنولوجيا الحديثة، والعلم، والمعرفة، وسائل لتكريس الأخلاق والآداب، والإيمان والقيم الدينية في النفوس. وبغير هذا، سنكون أمام حقيقة مرّة؛ انقلاب المعادلة تماماً، فكل ما ذكر آنفاً سيكون في خدمة السياسة والمال، وعلينا القبول بكل شيء، ولن تكون ثمة فرصة للاعتراض على أي تغيير في المنهج والقواعد التي نراها تنظم حياتنا الاجتماعية.

عن المؤلف

محمد علي جواد تقي

اترك تعليقا