أسوة حسنة

شخصية أبي الفضل العباس ..دراسة تحليلية في الأبعاد الأخلاقية والتطبيقات التربوية المعاصرة

من أبرز السمات التي تميز بها العباس، عليه السلام، ولاؤه المطلق للإمام الحسين، عليه السلام، رغم أنه كان من أشجع وأقوى الناس في ميدان القتال. فقد كان يخاطبه بقوله: “يا مولاي، يا أبا عبد الله”، ويقف بين يديه موقف العبد من سيده

المقدمة

تواجه المجتمعات الإسلامية المعاصرة تحديات أخلاقية جسيمة، أبرزها تراجع قيم الوفاء والإيثار والتضحية لصالح النزعات الفردية والمادية. وفي خضم هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحة إلى استلهام نماذج أخلاقية قادرة على إعادة بناء المنظومة القيمية للإنسان المسلم. ومن أبرز هذه النماذج، شخصية أبي الفضل العباس بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، الذي جسد قمة الكمال الأخلاقي في أجلى صوره.

تتمحور إشكالية هذا البحث حول التساؤل الآتي: كيف يمكن للمؤمن المعاصر أن يستلهم من ظروف مولد العباس عليه السلام ونشأته منهجا تربويا عمليا لبناء شخصيته الأخلاقية؟ وتكمن أهمية هذه الدراسة في محاولتها تجاوز السرد التاريخي المجرد إلى التحليل التطبيقي الذي يربط بين التراث الأخلاقي والواقع المعاصر.

وأطروحة البحث تدور حول إن دراسة مولد العباس عليه السلام وبيئته التربوية تكشف عن منهج تربوي متكامل قابل للتطبيق في العصر الراهن، يقوم على ثلاثة أركان: الاختيار الواعي للبيئة التنشئوية، والتربية على الولاء للقيادة الشرعية، وترسيخ ثقافة الإيثار والتضحية.

العرض التحليلي

أولا: فلسفة الاختيار الواعي في بناء الأسرة

حين أراد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الزواج بعد إستشهاد السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، طلب من أخيه عقيل أن يختار له امرأة ذات أصل كريم، فقال له: “أبغني امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوجها فتلد لي غلاما فارسا”(1). فدله على فاطمة بنت حزام الكلابية، المعروفة بأم البنين عليها السلام، فتزوجها وأنجبت له أربعة من البنين استشهدوا جميعا في كربلاء.

يكشف هذا الاختيار عن وعي عميق بأثر الوراثة والبيئة في تشكيل الشخصية، وهو ما أكده علم النفس الحديث في نظرية التفاعل بين الوراثة والبيئة، حيث يرى العلماء أن السمات الشخصية تتشكل من تفاعل العوامل الجينية مع المؤثرات البيئية(2). غير أن الإسلام سبق إلى هذه الحقيقة حين جعل حسن اختيار الزوجة من حقوق الولد على أبيه، كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله: “تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس”(3). وهذا المنهج يوجه المؤمن المعاصر حين يقدم على تأسيس أسرة إلى وضع الاعتبارات القيمية والأخلاقية في مقدمة معايير الاختيار، لا المعايير المادية والشكلية التي طغت على ثقافة الزواج اليوم، فالأسرة هي البيئة الأولى التي تتشكل فيها شخصية الإنسان، وجودة هذه البيئة تحدد إلى حد بعيد جودة مخرجاتها التربوية.

ثانيا: البيئة التربوية ودورها في التكوين الأخلاقي

ولد العباس، عليه السلام، في الرابع من شهر شعبان سنة ست وعشرين للهجرة(4)، في بيت كان القرآن الكريم يتنزل فيه تأويلا وتطبيقا. وقد نشأ في ظل أبيه أمير المؤمنين عليه السلام الذي وصفه النبي صلى الله عليه وآله بقوله: “أنا مدينة العلم وعلي بابها”(5). كما عاصر أخويه الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام، سيدي شباب أهل الجنة. ويؤكد علم الاجتماع التربوي أن الأسرة تمثل المؤسسة الاجتماعية الأولى المسؤولة عن غرس القيم والمعايير الأخلاقية في نفس الطفل، من خلال عمليتي التقليد والتماهي مع النماذج المرجعية(6). وقد توافرت للعباس عليه السلام أمثل صور القدوة، إذ كان يرى في أبيه نموذج العدل المطلق، وفي أخويه نموذج الإمامة الربانية.

روى الشيخ المفيد أن العباس عليه السلام “كان رجلا وسيما جميلا، يركب الفرس المطهم ورجلاه تخطان في الأرض”(7). وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق عليه السلام: “كان عمنا العباس بن علي نافذ البصيرة، صلب الإيمان، جاهد مع أبي عبد الله عليه السلام وأبلى بلاء حسنا ومضى شهيدا”(8). ولعل أبرز ما يستلهمه المربون اليوم من هذا النموذج أن الطفل يتشرب القيم من محيطه أكثر مما يتعلمها من التلقين المباشر، ولذا ينبغي للأسرة المسلمة أن تحرص على أن يكون البيت فضاء للقيم الإيجابية، حيث يرى الأبناء في والديهم قدوة عملية لا مجرد واعظين بالكلام، فالسلوك المشاهد أبلغ أثرا من الموعظة المسموعة.

ثالثا: الولاء للقيادة الشرعية وأثره في بناء الشخصية

من أبرز السمات التي تميز بها العباس، عليه السلام، ولاؤه المطلق للإمام الحسين، عليه السلام، رغم أنه كان من أشجع وأقوى الناس في ميدان القتال. فقد كان يخاطبه بقوله: “يا مولاي، يا أبا عبد الله”(9)، ويقف بين يديه موقف العبد من سيده. هذا الولاء لم يكن ضعفا أو انسحاقا للشخصية، بل كان وعيا عميقا بمقام الإمامة ووظيفتها في قيادة الأمة. ويفسر علم النفس الاجتماعي هذا السلوك في إطار نظرية الالتزام القيمي، التي ترى أن الفرد حين يلتزم بقضية يؤمن بها التزاما حقيقيا، فإنه يتجاوز حظوظ نفسه ورغباتها الذاتية لصالح هذه القضية(10).

قال الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}(11). وقد جسد العباس، عليه السلام، هذه الطاعة تجسيدا كاملا، فكان امتثاله لأوامر الحسين، عليه السلام، امتثالا لأمر الله جل جلاله، وفي هذا درس بليغ للمؤمن المعاصر بأن الولاء للقيادة الشرعية المتمثلة في الإمام المهدي، عجل الله تعالى فرجه الشريف، ليس تبعية عمياء تلغي العقل، بل هو انتماء واع لخط الحق يحرر الإنسان من التبعية للأهواء والمصالح الشخصية، ويجعله جزءا من مشروع إلهي أكبر من ذاته الفردية.

رابعا: الإيثار بوصفه قيمة تحويلية

بلغ العباس، عليه السلام، ذروة الإيثار يوم عاشوراء حين شق صفوف الأعداء ووصل إلى الماء وهو في أشد حالات العطش، فغرف منه غرفة ثم ذكر عطش الحسين عليه السلام وأطفاله فرمى الماء من يده وأنشد:

“يا نفس من بعد الحسين هوني … وبعده لا كنت أن تكوني

هذا الحسين وارد المنون … وتشربين بارد المعين”(12)

جسد العباس الطاعة تجسيدا كاملا، فكان امتثاله لأوامر الحسين امتثالا لأمر الله جل جلاله، وفي هذا درس بليغ للمؤمن المعاصر بأن الولاء للقيادة الشرعية المتمثلة في الإمام المهدي ليس تبعية عمياء تلغي العقل، بل هو انتماء واع لخط الحق

هذا الموقف يجسد أعلى مراتب الإيثار التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}(13). فالإيثار هنا ليس مجرد تقديم الآخر على النفس في الأمور العادية، بل هو تقديمه في أخطر لحظات الحياة وأشدها حرجا. ويميز علم النفس بين مستويات متعددة للإيثار، أعلاها الإيثار التحويلي الذي يغير طبيعة الفرد ويرتقي به إلى مستوى أعلى من الوجود(14). وهذا النموذج يفتح أمام المؤمن المعاصر آفاقا لممارسة الإيثار في حياته اليومية على مستويات متدرجة: من إيثار أسرته على راحته الشخصية، إلى إيثار مجتمعه على مصالحه الفردية، إلى إيثار قضايا الأمة على انشغالاته الخاصة، فالإيثار ليس فعلا استثنائيا يمارس في لحظات نادرة، بل هو نمط حياة يتدرب عليه الإنسان حتى يصبح سجية راسخة.

خامسا: دلالة التسمية وأثرها في الهوية

اختار أمير المؤمنين عليه السلام لابنه اسم العباس، وهو في اللغة الأسد الشديد. قال ابن منظور: “العباس من أسماء الأسد لعبوسه”(15)، وذكر الزبيدي: “العباس: الأسد الذي تهرب منه الأسود”(16). وهذا الاختيار يعكس وعيا بأثر الاسم في تشكيل هوية الإنسان وتوجيه مساره، وهو ما أكدته الدراسات النفسية الحديثة التي أثبتت أن الاسم يؤثر في تصور الفرد لذاته وفي توقعات الآخرين منه. (17).

الخاتمة

كشفت هذه الدراسة أن مولد العباس عليه السلام ونشأته يقدمان منهجا تربويا متكاملا يمكن للمؤمن المعاصر استلهامه. فمن الاختيار الواعي لشريك الحياة، إلى توفير البيئة التربوية المثلى، إلى غرس قيم الولاء والإيثار، تتشكل ملامح شخصية إسلامية قادرة على مواجهة تحديات العصر. إن استحضار سيرة العباس عليه السلام ليس مجرد طقس عاطفي، بل هو استلهام لنموذج أخلاقي حي، فكما كان عليه السلام وفيا لإمام زمانه حتى الشهادة، فإن المؤمن اليوم مدعو لأن يكون وفيا لقضايا دينه وأمته.

المصادر والمراجع

1.     المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج45، ص39.

2.     زهران، حامد عبد السلام، علم نفس النمو، ص112.

3.     الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، ج20، ص85.

4.     ابن شهرآشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، ج4، ص108.

5.     الصدوق، محمد بن علي، الخصال، ج2، ص573.

6.     الخولي، سناء، الأسرة والحياة العائلية، ص94.

7.     المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد، ج2، ص125.

8.     المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج44، ص298.

9.     القمي، عباس، نفس المهموم، ص189.

10.   عبد الخالق، أحمد محمد، أسس علم النفس، ص287.

11.   سورة النساء: 59.

12.   ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف، ص66.

13.   سورة الحشر: 9.

14.   نجاتي، محمد عثمان، علم النفس في حياتنا اليومية، ص215.

15.   ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، ج6، ص130.

16.   الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس، ج16، ص334. 17.   زهران، حامد عبد السلام، علم نفس الشخصية، ص178.

عن المؤلف

السيد هاشم أمير الهاشمي

اترك تعليقا