أسوة حسنة

التنشئة النبوية وأثرها في البناء النفسي والقيمي: قراءة تحليلية في المرويات حول مولد وطفولة الإمام الحسين

مرحلة طفولة الإمام الحسين، عليه السلام، لم تكن مرحلة عابرة، بل كانت مرحلة تأسيس منهجي قاده النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، بوحي من الله -تعالى- فقد تكاملت كل العوامل لإبراز المنزلة السامية للإمام الحسين، عليه السلام

المقدمة

تمثل مرحلة الطفولة الحجر الأساس في تشكيل الهوية النفسية والاجتماعية للفرد، حيث تتظافر العوامل الوراثية والبيئية لرسم معالم الشخصية المستقبلية. وتكتسب هذه المرحلة بعداً استثنائياً عند الحديث عن الشخصيات المصطفاة إلهياً، حيث يمتزج التدبير الرباني بالإعداد التربوي البشري.

إن دراسة طفولة الإمام الحسين بن علي، عليه السلام، لا ينبغي أن تقتصر على السرد التاريخي المجرد، بل تستدعي وقفة تحليلية لفهم الكيفية التي صاغ بها النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، شخصية سبطه، ليكون امتداداً للرسالة وحافظاً لها.

يتمحور موضوع هذا البحث حول تساؤل جوهري: كيف أسست الممارسات النبوية والسلوكيات التربوية تجاه الحسين، عليه السلام، في مرحلة الطفولة المبكرة لبناء شخصية قيادية عقائدية متكاملة؟ وتذهب أطروحة المقالة إلى أن النبي، صلى الله عليه وآله، لم يمارس دور الجدّ بدافع العاطفة الفطرية فحسب، بل كان يمارس تأصيلاً نفسياً وعقائدياً مقصوداً، مدعوماً بالوحي، لترسيخ مكانة الحسين، عليه السلام، في الوعي الجمعي للأمة، ولإعداده نفسياً للملاحم الكبرى التي تنتظره، وذلك وفق منهجية تتوافق مع ما توصل إليه العلم الحديث في مجالي علم النفس والاجتماع، وتتطابق مع النصوص الروائية المعتبرة.

البعد الدلالي والاصطفاء الإلهي في التسمية

يبدأ “التكوين الهوياتي” للإنسان منذ لحظة اختيار اسمه؛ فالاسم ليس مجرد لفظ للنداء، بل هو وعاء يحمل دلالات نفسية واجتماعية.

وعند البحث في المعاجم اللغوية المعتبرة، نجد أن مادة “ح س ن” التي اشتق منها اسم “الحسين” تدور حول الجمال والكمال، ففي “لسان العرب” يذكر ابن منظور أن الحُسن هو نقيض القبح، والتحسين هو التزيين (1)، ويضيف الفيروزآبادي في “القاموس المحيط”: أن الحسن هو ما رغب فيه الطبع والعقل(2)، هذا الاشتقاق اللغوي يشير إلى أن صاحب الاسم يحمل صفات الجمال المطلق، حِسّاً ومعنى.

لنتجاوز مسألة البعد اللغوي البشري عند مراجعة النصوص الروائية، وندخل في دائرة الاصطفاء الإلهي.

تشير الروايات المستفيضة إلى أن التسمية لم تكن خياراً أبوياً، بل تنزيلاً إلهياً. فقد ورد عن الإمام الرضا، عليه السلام، قوله: “إن الله تبارك وتعالى لم يجعل للإمام الحسين، عليه السلام، وحياً إلا وقد سُمى حسيناً”(3)، هذا التدخل الغيبي في التسمية يعزز ما يسمى في علم الاجتماع بـ “المكانة الموروثة والمكتسبة”، حيث يمنح الاسم صاحبه تميزاً اجتماعياً وشرعياً منذ اللحظة الأولى. إن نزول جبرائيل، عليه السلام، بالاسم يسبق مبادرة الجّد والأب في أمر التسمية، ويؤسس لشرعية وجودية سابقة للعمل والاكتساب، مما يرسخ في نفس الطفل مستقبلاً وفي وعي المجتمع أن هذا المولود مرتبط بالسماء ارتباطاً عضوياً لا انفكاك منه.

الطقوس الولادية وتشكيل الوعي المبكر

مارس النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، طقوساً محددة فور ولادة الحسين، عليه السلام، تمثلت في الأذان في أذنه اليمنى والإقامة في اليسرى.

ينظر علم النفس الحديث إلى هذه الممارسة باعتبارها نوعاً من “التنبيه الحسي المبكر”. يؤكد الدكتور حامد عبد السلام زهران في كتابه “علم نفس النمو” أن الطفل في ساعاته الأولى يستجيب للمثيرات السمعية، وأن هذه المثيرات تترك أثراً في جهازه العصبي(4).

إن ترديد شعارات التوحيد: الله أكبر، لا إله إلا الله، في أذن الوليد ليس طقساً تعبدياً مجرداً، بل هو عملية برمجة أولية للعقل الباطن، ليكون أول ما يقرع سمعه هو ذكر الله جل جلاله، مما يشكل “قاعدة ارتكاز” نفسية. وقد روي عن الإمام الصادق، عليه السلام، أنه قال في حديث طويل حول مولد الحسين، عليه السلام: “فلما وصل إلى الأرض تهلل وجه رسول الله، صلى الله عليه وآله، وكبّر وهلل”(5)، هذا الاستقبال الحافل بالتهليل والتكبير يخلق بيئة من الأمن النفسي والاحتواء العاطفي، وهو ما يُعرف في نظريات التعلم الاجتماعي بأهمية البيئة المستقبلة في تحديد الاتزان الانفعالي للطفل.

الارتباط العاطفي ونظرية التعلق الآمن

تميزت علاقة النبي، صلى الله عليه وآله، بالحسين، عليه السلام، بفيض عالي من الاتصال الجسدي والعاطفي.

تروي كتب الحديث مشاهد متكررة لتقبيل النبي، صلى الله عليه وآله، للحسين، عليه السلام، في مواضع محددة كالفم والنحر، وضمه إلى صدره. تشير هذه السلوكيات إلى تطبيق عملي لما يسمى في علم النفس بـ “نظرية التعلق”، و يشير الدكتور عبد الفتاح محمد دويدار في كتابه “أصول علم النفس الاجتماعي” إلى أن الاتصال الجسدي المباشر بين المربي والطفل هو العامل الحاسم في بناء “التعلق الآمن”، الذي يمنح الطفل الثقة بالنفس والقدرة على مواجهة العالم الخارجي(6).

شخصية الإمام الحسين، التي واجهت أعتى طواغيت الأرض لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج “صناعة على العين” برعاية سيد الكائنات، ليكون الحسين، بذلك النموذج الأكمل للتربية الإسلامية التي توازن بين العاطفة والعقيدة، وبين الدنيا والآخرة

تكتسب هذه القبلات بعداً غيبياً إخبارياً عند تأمل الروايات بدقة. فقد ورد في “كامل الزيارات” عن الإمام الباقر، عليه السلام: “أن رسول الله، صلى الله عليه وآله، كان يدخل على فاطمة، عليها السلام، فيقول لها يا بنية هلمي ابني، فيخرج إليه فيضمه ويقبله ويبكي”(7)، بكاء النبي، صلى الله عليه وآله، هنا يمزج بين الحب الفطري والحزن الرسالي لعلمه بما سيجري على سبطه. هذا المزيج العجيب ينقل للطفل عبر التواصل غير اللفظي، رسالة مفادها أنه محبوب جداً، ولكنه في الوقت نفسه صاحب قضية مصيرية. هذا الإعداد النفسي المزدوج يبني شخصية لا تعرف الانكسار العاطفي، لأنها شبعت حباً، ولا تهاب الموت، لأنها أُعدت له منذ المهد.

الوحدة العضوية والروحية: حديث “حسين مني”

يعد الحديث النبوي المشهور: “حسين مني وأنا من حسين” من الركائز الأساسية في فهم طبيعة العلاقة بين النبي، صلى الله عليه وآله وسبطه، هذا النص لا يشير فقط إلى القرابة الدموية، فالشطر الأول: “حسين مني” قد يُفهم بايولوجياً، لكن الشطر الثاني “وأنا من حسين” ينقل العلاقة إلى مستوى العقيدة والوجود والاستمرار.

تصرح الروايات المتظافرة في أن استمرار دين محمد، صلى الله عليه وآله، سيكون مرهوناً بتضحية الحسين، عليه السلام.

ومن منظور التحليل النفسي والتربوي، فإن سماع الطفل لهذه العبارات، وتداولها في محيطه، يساهم في تشكيل “الذات المثالية”، و يدرك الحسين، عليه السلام، منذ صغره أنه ليس مجرد فرد، بل هو مشروع أمة، وأن وجوده هو امتداد لوجود جده المصطفى، صلى الله عليه وآله.

الخاتمة

تخلص هذه الدراسة التحليلية إلى أن مرحلة طفولة الإمام الحسين، عليه السلام، لم تكن مرحلة عابرة، بل كانت مرحلة تأسيس منهجي قاده النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، بوحي من الله -سبحانه وتعالى- فقد تكاملت العوامل اللغوية في دلالات التسمية، والنفسية في أساليب الاحتواء وبناء التعلق الآمن، والاجتماعية في مظاهر الدمج والتقدير، بما أسهم في إبراز المنزلة السامية لهذا الإمام الهمام، عليه السلام، ومن جهة أخرى قدمت هذه الدراسة نموذجًا عمليًا يُحتذى به للآباء في تنشئة شخصيات أطفالهم تنشئة سوية، متوازنة، وقائمة على القوة والطمأنينة.

وأثبت البحث أن المرويات الواردة في كتب الحديث الشريفة تقدم مادة علمية ثرية تتوافق بشكل مذهل مع نظريات علم النفس والاجتماع الحديثة حول أهمية الطفولة المبكرة، والتعلق، والقدوة، والبيئة الحاضنة.

إن شخصية الإمام الحسين، عليه السلام، التي واجهت أعتى طواغيت الأرض لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج “صناعة على العين” برعاية سيد الكائنات، ليكون الحسين، عليه السلام، بذلك النموذج الأكمل للتربية الإسلامية التي توازن بين العاطفة والعقيدة، وبين الدنيا والآخرة. وعليه، فإن العودة إلى دراسة السيرة الحسينية من منظور تربوي ونفسي تعد ضرورة ملحة لاستنباط مناهج تربوية معاصرة قادرة على بناء أجيال سوية مرتبطة بهويتها الدينية.

المصادر والمراجع

[1] ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، ج13، ص114.

[2] الفيروزآبادي، مجد الدين، القاموس المحيط، ج1، ص235.

[3] الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا، ج2، ص25.

[4] زهران، حامد عبد السلام، علم نفس النمو (الطفولة والمراهقة)، ص 68.

[5] البحراني، هاشم، مدينة المعاجز، ج3، ص220.

[6] دويدار، عبد الفتاح محمد، أصول علم النفس الاجتماعي، ص 112. [7] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات، ص 50.

عن المؤلف

السيد هاشم أمير الهاشمي

اترك تعليقا