الهدى – وكالات ..
تواجه العملية التربوية في سوريا منعطفاً تاريخياً خطيراً مع تصاعد توظيف التعليم كأداة لتلقين الأطفال أفكاراً دينية وطائفية متشددة، حيث باتت المدارس ساحات لتمرير مشاريع سياسية تثير مخاوف حقيقية من نشوء جيل مؤدلج في مجتمع ممزق بالحرب.
وقد تجسد هذا القلق في حوادث ميدانية صادمة شهدتها محافظات سورية عدة خلال الأشهر الماضية، منها ظهور مسلحين في روضة أطفال بمنطقة بصرى الشام في درعا وهم يدربون صغاراً على حمل السلاح وتلقينهم شعارات طائفية، بالتوازي مع مقاطع مصورة في حمص تظهر أطفالاً يجولون الأحياء بهتافات تمييزية، فضلاً عن رصد رجال دين داخل الفصول الدراسية يلقنون الطلاب مفاهيم “الجهاد” والتطرف وسط صمت رسمي مريب.
ولم يتوقف الأمر عند الممارسات الميدانية بل امتد ليشمل بنية التعليم الأساسية، حيث أعلنت وزارة التربية في الحكومة الانتقالية مطلع عام 2025 عن تعديلات جوهرية في المناهج شملت حذف شخصيات وطنية وتاريخية وتغيير السردية المتعلقة بحرب تشرين التحريرية، مع استبدالها بوحدات دينية ذات طابع محافظ.
ورغم الادعاءات بأن هذه التغييرات مؤقتة إلا أنها تحولت إلى أمر واقع يعكس هيمنة التيار المتشدد، كما جاء تأسيس المجلس الأعلى للتربية والتعليم برئاسة أحمد الشرع ليعزز هذه المخاوف، حيث بدا المجلس مظلة سياسية أكثر منها تربوية تهدف لإعادة صياغة وعي الأجيال الجديدة وفق إيديولوجيا إقصائية تخدم السلطة القائمة وترسخ وجودها.
وفي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة الانتقالية لفرض رؤيتها، تبرز صراعات هوياتية في مناطق أخرى تزيد من تشتت المشهد التعليمي، إذ تصر قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق البلاد على مناهج تكرس مفاهيم الدولة الكردية وترفض المناهج الحكومية، بينما يرزح الجنوب في السويداء تحت وطأة التدهور الأمني الذي دفع العائلات للعزوف عن إرسال أبنائها للمدارس خشية المعارك المتكررة التي دمرت منشآت تعليمية ريفية عدة.
وهذه الانقسامات الجغرافية والسياسية تأتي في وقت يعاني فيه أطفال سوريا من إحصائيات مرعبة، إذ تشير تقارير اليونيسيف إلى أن أكثر من 2.4 مليون طفل محرومون من التعليم منذ بداية النزاع، فيما تعطلت نحو 40% من المدارس في البلاد، مع وجود ملايين الأطفال تحت خط سوء التغذية أو عرضة لخطر مخلفات الحرب غير المنفجرة.
وتحذر الناشطة السورية فرح خير الله، من الكارثة الاجتماعية والإنسانية التي قد تنتج عن هذه السياسات، مؤكدة ضرورة حماية الأطفال من التلقين الطائفي واعتماد سياسات تعليمية أكاديمية قائمة على الأسس العلمية ومفاهيم المواطنة، فسوريا التي تعيش شبح الحرب تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تحرير التعليم من سطوة الأيديولوجيا والشروع في كتابة عقد اجتماعي وتربوي جديد يستند إلى العدالة والكرامة، ويضمن بناء بيئة تعليمية آمنة لا تكرس الكراهية أو رفض الآخر كطريق للبقاء، بل تمنح الطفولة حقها في التعلم بعيداً عن صراعات البنادق والأجندات السياسية.
