ثقافة رسالية

نهج البلاغة والحياة (87) ماذا نخسر لو التزمنا بالدِين؟

الانسان المؤمن محوره الدِين فإنه كان معه دنيا فخير وأنعم، وإن لم يكن ذلك، فهو لا يضحي بالدِين لأجل الدنيا، النبي أيوب عليه السلام، كان مع الله مريضا مبلتى، ومع الله صحيح البدن ومعافى، فلا فرق عنده بين الأمرين

قال أمير المؤمنين عليه السلام: “لا يترك شيئا من امر دينهم لاستصلاح دنياهم إلا فتح الله عليهم ما هو أضر منه“.

امتحان الله عز وجل قائم على وقوع تناقض بين حين وآخر، بين دنيا الانسان وبين دينه، واقعيا يمكن ان يجمع الانسان بين الدين والدنيا، لكن لابد ان يمر كل واحد منا بموقف يكون فيه تناقض بين الدين والدينا؛ بين التزامات الفرد، ومسؤولياته الاخلاقية والانسانية، وبين مصلحته الشخصية.

لا يحدث هذا الامر دائما، لكن لابد ان يمر أي إنسان وأي شعب بفترة وبحالة يكون هناك تناقض اساسي بين دينه ودنياه، وهذا وهذا هو الامتحان؛ إذا كانت مصلحة الانسان محرزة مع التزامه الديني لا يكون هنالك امتحان، وإذا كانت الصلاة لا تضر بمنصب الانسان وماله وراحته، بل تنفعه في ذلك، فلا أحد يترك الصلاة، لكن إذا وقع تناقض بين الصلاة وبين الراحة، بين الالتزام الاخلاقي وبين الوظيفة مثلا، هنا يكون الامتحان. والله تعالى يمتحن عباده بين حين وآخر بأن يكون هناك تناقض بين دينهم وبين دنياهم.

وهذا الامتحان قد يكون على المستوى الفردي او الجماعي؛ فمثلا على المستوى الاول قد يقع تناقض بين الوظيفة ومغرياتها من جهة، وبين حرمة إطاعة الطاغوت من جهة أخرى، فقد تعرض على الانسان وظيفة وفيها مصلحة، في المقابل تكون هذه الوظيفة في إطاعة الطاغوت التي تعتبر محرمة، وهنا يصبح تناقض بين مصلحة الفرد (لانها فيها معاش له ولعائلته) وبين مخالفة الدِين والالتزامات الاخلاقية. ومن الامثلة التاريخية هو عمر بن سعد وقع في تناقض؛ فمن جهة هناك مصلحة دنيوية، ومن جهة خرى هناك التزام أخلاقي وهو عدم قتل الإمام الحسين عليه السلام، لكنه اختار المصلحة.

ولا احد في هذه الارض يمكن أن يسلم من امتحان الله؛ فالله الذي امتحن الانبياء والاولياء والشهداء لا يمكن ان يدخل إنسانا الجنة بدون امتحان تتناقض مصلحته من جهة ودينه من جهة أخرى، وهذه هي اللحظات الحرجة في حياة الفرد وفيها يقرر مصيره.

الذين يقدمون المصلحة الدنيوية على مصلحة الآخرة يعانون من قصر نظر، ولا يرون الأبعاد الاستراتيجية، مثل الطفل الذي يريد أن يلعب في لحظته الآنية، لان الطفل لا يفهم المستقبل، بل يريد اللحظة الحاضرة

وقد يكون الامتحان على مستوى شعب أو أمة؛ المسلمون تركوا الجهاد فترة من الزمن حتى سمّاه بعض العلماء “الفريضة الغائبة” تركوا ذلك خوفا على مصالحهم الآنية وراحتهم فابتُليت الامة بأكملها بالذل والهوان.

ومثال آخر؛ كثيرون تركوا أحكام الشريعة بدعوى انها لا تتناسب مع متطلبات العصر، لان هذا العصر في نظرهم عصر النزول على القمر، وعصر انطلاقة المرأة لذلك لا تناسب بين انطلاقة المرأة وحجابها وعملها الاجتماعي والاقتصادي!

ولنفترض ان العمل بالشريعة لا يتناسب مع متطلبات العصر، فمن غير الواجب ان نترك الشريعة واحكامها ونلتزم بمتطلبات العصر، إذا أضرت هذه المتطلبات بآخرتنا وجنتنا فلا نحتاج إليها، وما قيمة التقدم الاقتصادي إذا وضعت أمة الدِين جانبا؟

الذين يقدمون المصلحة الدنيوية على مصلحة الآخرة يعانون من قصر نظر، ولا يرون الأبعاد الاستراتيجية، مثل الطفل الذي يريد أن يلعب في لحظته الآنية، لان الطفل لا يفهم المستقبل، بل يريد اللحظة الحاضرة.

لذلك كلما كبر الانسان كلما فهم المستقبل أكثر، وكلما كانت روحه عظيمة وكبيرة فإنه فعلا يعيش في الجنة، قال أميرالمؤمنين: “فهم والجنة كم قد رآها فهم فيها منعمون وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون”. فإذا رأى مصلحة آنية متناقضة مع المصلحة الاخروية فهو لا يمد يده اليها، لانه يشعر أن يده تمتد الى النار، وإذا رأى عملا خيّرا لا احد يقوم به فهو يسرع اليه لانه يرى نفسه في الجنة وهي النتيجة الحتمية لذلك العمل.

لماذا يندر الملتزمون بالدِين؟

لا شك أن الدِين موجود في وجدان كل إنسان بكل أبعاده، فكل واحد يريد الالتزام باحكام الدين، لكن التناقض يجعله يبتعد عن الدِين، وإلا إذا لم يكن هناك حجاب هو الشهوات والمصالح، واللذة، إذا لم يكن ذلك فإن الانسان سيلتزم بالدين كليا، قال الامام الحسين، عليه السلام: “الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معائشهم فإذا محصوا بالبلاء قلّ الديّانون”.

 أمير المؤمنين عليه السلام، في كلمته: “لا يترك شيئا من امر دينهم لاستصلاح دنياهم إلا فتح الله عليهم ما هو أضر منه” يكشف عن حقيقتين:

الحقيقة الاولى: أن من يقدم آخرته على دنياه يعوضه الله فيما بعد.

الحقيقة الثانية: من يقدم الدنيا على الآخرة فالله يخسّره.

حين يقدّم الانسان مصلحة دينه على مصلحة دنياه فإن الله تعالى يعوضه، فالمجاهدون في سبيل الله يعوضهم بالنصر، والشهيد يُعوّض بالجنة، وعلى العكس من ذلك، فالذين يقدمون مصلحة الدنيا على مصلحة الآخرة فإنهم يتضررون، فكم من تاجر ربح من المال الحرام وصرفه في الادوية ومعالجة الامراض. قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: “ألا ومن عرضت له دنيا وآخرة فاختار الدنيا على الآخرة لقي الله عز وجل وليست له حسنة يتقي بها النار ومن اختار الاخرة على الدنيا رضي الله عنه وغفر له مساوي عمله”. وقال أمير المؤمنين: “إن جعلت دينك تبعا لدنياك أهلكت دينك ودنياك وكنت في الآخرة من الخاسرين وإن جعلت دنياك تبعا لدينك أحرزت دينك ودنياك وكنت في الآخرة من الفائزين”.

حين يقدّم الانسان مصلحة دينه على مصلحة دنياه فإن الله تعالى يعوضه، فالمجاهدون في سبيل الله يعوضهم بالنصر، والشهيد يُعوّض بالجنة، وعلى العكس من ذلك، فالذين يقدمون مصلحة الدنيا على مصلحة الآخرة فإنهم يتضررون

الانسان المؤمن محوره الدِين فإنه كان معه دنيا فخير وأنعم، وإن لم يكن ذلك، فهو لا يضحي بالدِين لأجل الدنيا، النبي ايوب عليه السلام، كان مع الله مريضا مبتلى، ومع الله صحيح البدن ومعافى، فلا فرق عنده بين الأمرين.

إن خطأ الكثيرين انهم يظنون أن الدِين لا صاحب له، او يشكون في وعود الله، فهو يفكر اذا التزم بالدِين يخسر، لان صاحب الدين وهو الله وعد بأن يعطي لنا إذا خسرنا في سبيل الالتزام بدينه، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}. “عليكم بطلب الآخرة فوالله رأينا اقواما طلبوا الآخرة فأصابوا الدنيا والآخرة ووالله ما رأينا من طلب الدينا أصاب الآخرة”. الدين أثمن شيء في حياة الانسان المؤمن فمن الصعب عليه ان يفرط فيه بشهوات فانية، ولذات زائلة. يفهم قيمة الدِين اولئك الذين يعيشون في دول الغرب والشرق ففي بعض الدول الغربية يُحارب الدِين أشد المحاربة، وكما يقول المثل (تعرف الشمس بعد غروبها). لذلك علينا ان نتمسك بديننا فهو ننال حظنا من الدنيا، ونفوز في الآخرة.

 ____________

(مقتبس من محاضرة لآية الله السيد هادي المدرّسي حفظه الله).

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا