الهدى – بغداد ..
بين مطرقة التكاليف الباهظة في العيادات الخاصة وسندان ضعف الخدمات في المستشفيات الحكومية، وجدت آلاف العائلات العراقية محدودة الدخل نفسها مضطرة للبحث عن “طبابة بديلة” لا تخلو من المخاطر.
فلم تعد الصيدليات والعيادات غير المرخصة مجرد منافذ لبيع الدواء، بل تحولت إلى وجهات أولى للتشخيص والعلاج، في ظاهرة بدأت تتسع لتشمل الأمراض المزمنة مثل السكري والضغط، مما يضع حياة المراجعين على حافة المضاعفات الصحية الجسيمة.
وتعكس قصة “أم أحمد”، وهي ربة منزل بغدادية، مرارة هذا الواقع؛ حيث توقف زوجها المصاب بمرض مزمن عن مراجعة الطبيب المختص منذ أشهر بسبب كلفة “الكشفية” التي تتجاوز 50 ألف دينار عراقي، ناهيك عن التحاليل والأدوية.
وتوضح أم أحمد أن لجوءها لصيدلي قريب لوصف أدوية “مجربة” أو تغيير العلاج بحسب سعره المتوفر ليس خياراً نابعاً عن قناعة، بل هو اضطرار تفرضه الظروف المعيشية القاسية التي تجعل من الرعاية الصحية “امتيازاً” يفوق قدرة الكثيرين.
ويرى مختصون أن تحول بعض الصيدليات إلى عيادات مصغرة يمثل خرقاً طبياً، إذ ينحصر دور الصيدلي قانونياً في صرف الوصفات لا تشخيص المرض، محذرين من أن هذا السلوك يؤدي إلى تفاقم الحالات وظهور مقاومة دوائية نتيجة الإفراط في المسكنات والمضادات الحيوية.
وفي هذا السياق، ينبه الطبيب همام محمد، إلى “الخطر الأكبر” الكامن في عيادات المضمّدين غير المرخصة داخل الأحياء الشعبية، مؤكداً أن افتقار هؤلاء للتدريب الكافي والعمل دون إشراف يعرض المرضى لمخاطر التلوث والجرعات غير المناسبة، وهو ما يؤكده “أبو حسين”، عامل بناء من ديالى، الذي كادت حقنة من مضمّد أن تودي بحياة ابنه لولا نقله في اللحظات الأخيرة إلى المستشفى.
من جانبه، يؤكد الناشط في الصحة المجتمعية باسل الشيخلي، أن الكلفة المرتفعة للعلاج أصبحت عاملاً مباشراً في تفاقم الأمراض، مشيراً إلى أن غياب الرقابة وضعف التوعية يرسخان هذه الممارسات غير النظامية التي تزيد من الخسائر البشرية وتضاعف الضغط على المؤسسات الحكومية المنهكة أصلاً.
وفي محاولة لوضع حد لهذه الفوضى، تشدد نقابة الأطباء على لسان عضوها محسن إسماعيل على ضرورة حصر التشخيص بالأطباء المؤهلين، داعياً الجهات المعنية إلى تشديد الرقابة وتنظيم عمل المضمّدين، مع ضرورة دعم القطاع الحكومي لتقديم خدمات ميسرة للفئات الهشة.
وتختصر هذه الأزمة مشهداً أعمق من الخلل الصحي؛ فهي نتيجة مباشرة لاتساع رقعة الفقر وتراجع منظومة الحماية الاجتماعية، حيث يتحول المرض في غياب البدائل المنظمة إلى مصير مفتوح على كل الاحتمالات.
