الهدى – متابعات ..
كشف تقرير حديث لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق عن ظهور جيل جديد من المزارعين في المحافظات الجنوبية لم يكتفوا بالتأثر بالتغيرات المناخية بل انتقلوا إلى مرحلة التكيف الفاعل لحماية إرث أجدادهم الحي.
وأشار البرنامج في تقريره، إلى أن الزراعة في جنوب العراق كانت دوماً الركيزة الأساسية للمجتمعات من نخيل البصرة إلى حقول ذي قار وميسان والمثنى، وهي اليوم تواجه ضغوطاً متزايدة دفعت الشباب والمزارعين إلى إعادة صياغة مستقبلهم عبر العلم والممارسات الصمودية.
وأوضح التقرير الأممي، أن الأنظمة التقليدية التي وفرت الاستقرار لعقود بدأت تتقوض بفعل الشح المزمن في المياه وارتفاع ملوحة التربة وتوغل اللسان الملحي مما جعل ممارسات قديمة مثل الري السيحي غير متوافقة مع ندرة المياه وتدهور الأراضي، فضلاً عن أن الاعتماد على وقود الديزل والكهرباء غير المستقرة زاد من تكاليف الإنتاج وهشاشة المنظومة الزراعية برمتها.
وأمام هذه الضرورة الملحّة أطلقت حكومة اليابان وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي مبادرة لتعزيز العمل المناخي تهدف إلى تمكين المزارعين من الانتقال نحو ممارسات منخفضة الانبعاثات قادرة على حماية الأرض والاستقرار الاجتماعي.
وقد بدأ هذا التحول الميداني بالاستناد إلى الأدلة العلمية من خلال استطلاعات وتقييمات شملت أكثر من 250 مزارعاً في البصرة وذي قار وميسان والمثنى لتحديد المعوقات ونقاط الانطلاق الواقعية.
حيث تم تقديم تدريبات مكثفة في أواخر عام 2025 اعتمدت نهج التعلم بالممارسة وحولت المفاهيم المجردة إلى مهارات ملموسة مكنت المزارعين من إدارة أراضيهم في ظروف الملوحة وتحسين كفاءة الري واستكشاف الأصناف الزراعية المتحملة للملوحة واتخاذ تدابير عملية للحد من تدهور التربة بدلاً من استنزاف الموارد المتبقية.
وللمرة الأولى بالنسبة للعديد من المشاركين أصبح العلم ملموساً من خلال قياس الموصلية الكهربائية للمياه واختبار التربة بأنفسهم مما ترجم المكاسب التقنية إلى ثقة عالية في القدرة على تطبيق الممارسات الحديثة ضمن الإمكانيات المتاحة حيث كان الالتزام بالطاقة الشمسية في قلب هذا التحول كبديل حيوي لشبكات الكهرباء المتقطعة ووقود الديزل المكلف مما وفر استقراراً في ضخ المياه وقلل الانبعاثات وحمى الدخل من تقلبات المناخ والطاقة.
وخلص التقرير إلى أن هذا الانتقال من الوعي إلى العمل يشير إلى ظهور جيل جديد من حماة الزراعة في جنوب العراق لم يعودوا مجرد متأثرين بالأزمة بل أصبحوا فاعلين في تشكيل نتائجها من خلال ترسيخ المعرفة التقليدية في الأدلة العلمية ومزاوجة ممارسات الأجداد بالأدوات الحديثة لضمان بقاء الموروث الزراعي منتجاً وصامداً للأجيال القادمة بعيداً عن التخمين أو عدم اليقين.
